التخطي إلى المحتوى

هندسة الخداع المالي .. كواليس تضليل المستثمرين

لم تكن “نورتل نتوركس” مجرد موردة لمعدات الاتصالات، بل مثلت ذروة الطموح التكنولوجي الكندي، إذ كانت معداتها تنقل نحو ثلاثة أرباع حركة الإنترنت في أمريكا الشمالية، ومع ذلك، انتهى هذا الصعود اللافت إلى سقوط مدو في فضيحة محاسبية أطاحت بها من قمة المجد إلى التصفية النهائية.

 

 

من خط الهاتف إلى الإنترنت

يعود تاريخ الشركة إلى عام 1882 تحت مسمى “بيل تيليفون”، لتتحول لاحقاً إلى “نورتل نتوركس”، وخلال التسعينيات، قاد المدير التنفيذي “جون روث” استراتيجية توسعية جريئة، حيث أنفق أكثر من 22 مليار دولار للاستحواذ على 16 شركة، حتى أصبح في نظر المجلات ووسائل الإعلام أحد أكثر المسؤولين حكمة في كندا.

 

طفرة مذهلة

تحولت “نورتل” إلى شركة رائدة في تكنولوجيا الإنترنت، وهو ما جعلها في وقت ما تاسع أعلى شركة قيمة في العالم، وشهدت الفترة بين عامي 1997 وأوائل 2001 ازدهارًا مذهلاً، وضخ المستثمرون مبالغ طائلة رفعت القيمة السوقية للشركة التي كانت في ذروتها توظف 73 ألفًا حول العالم.

 

ازدهار دون عائد

رغم النشاط المكثف والنمو الظاهري، لم تسجل “نورتل” أرباحاً سنوية حقيقية في أوج نشاطها، والسبب يعود إلى قواعد المحاسبة التي كانت تلزمها بشطب قيمة الأصول الضخمة التي استحوذت عليها، مما أظهر فجوة كبيرة بين طموحات الإدارة والواقع المالي الموثق.

 

صورة زائفة

قدّم كبار المسؤولين التنفيذيين بيانات مزيفة لمجلس الإدارة ولجنة التدقيق، وعلى أساسها جرى اعتماد النتائج الفصلية وصرف المكافآت، وقد كلّف الرئيس التنفيذي اللاحق “فرانك دان” فريق الشؤون المالية بتحقيق مستهدفات للأرباح لا تنسجم مع المبادئ المحاسبية، في ظل غياب شبه تام للمساءلة بسبب هياكل تنظيمية بالغة التعقيد.

 

 

وضع هش

ظلت واحدة من أكبر الشركات الكندية حتى انهيار فقاعة الإنترنت عام 2000، لتنكشف هشاشة وضع الشركة، إذ قلص العملاء مشترياتهم بحدة، فهبطت مبيعاتها بنسبة 50%، وتراجعت القيمة الصافية لشركاتها المستحوذ عليها بمليارات الدولارات خلال اثني عشر شهرًا فحسب.

 

محاولات إنقاذ

في مواجهة الانهيار، لجأت الشركة إلى إجراء تغييرات إدارية وتقليص ما يزيد على 60% من وظائفها، لكن ذلك لم يوقف النزيف، وفي 2004، أعلنت “نورتل” أول ربح فصلي لها منذ ثلاث سنوات، إلا أن السهم واصل تراجعه بسبب التأخر المتكرر في تقديم البيانات المالية المدققة.

 

غضب جماعي

لم تتمكن الشركة من استعادة مكانتها السابقة، وهو ما أثار غضب المستثمرين ودفعهم إلى رفع دعاوى قضائية ضدها، وأقرت “نورتل” بوجود أخطاء محاسبية جوهرية، وأعادت صياغة نتائجها المالية اعتبارًا من عام 2000، وفي 2004، أُقيل “دان” والمدير المالي عقب الكشف عن أن أرباح 2003 لم تبلغ سوى نصف ما أُعلن سابقًا.

 

 

أعباء هائلة

تحملت الشركة أعباءً مالية هائلة نتيجة لذلك، حيث بلغت تكلفة إعادة صياغة البيانات المالية أكثر من 100 مليون دولار، وعمل عليها 600 موظف، كما سجلت خسائر إضافية بمليارات الدولارات نتيجة الدعاوى القضائية المرفوعة من المستثمرين المتضررين.

 

اتهامات

في 2007، رفعت هيئة البورصات الأمريكية دعوى رسمية ضد “نورتل” بتهمة المبالغة في تقدير الإيرادات بهدف الاحتيال وتضليل المستثمرين، بيد أنه في 2013، صدر حكم ببراءة ثلاثة من كبار المسؤولين التنفيذيين السابقين من تهمتي الاحتيال، بعلّة عدم كفاية الأدلة.

 

الإفلاس والتصفية

بعد عقد من سوء الإدارة، تقدمت “نورتل” بطلب للحماية من الإفلاس عام 2009، لينتهي إرث الشركة بسعر سهم لا يتجاوز 0.18 دولار كندي، عندما تم شطبها من البورصة، وتم بيع أصولها وتصفيتها نهائياً في 2017 بعد دفع 7 مليارات دولار للدائنين.

 

تحولت “نورتل” التي كانت يومًا ما فخرًا لقطاع التكنولوجيا إلى نموذج من أبرز نماذج الفشل في عالم الشركات في كندا، لتقدم درسًا مفاده أن أعظم التهديدات التي تواجه الشركات الكبرى لا تأتي دائمًا من المنافسة أو تقلبات السوق، بل كثيرًا ما تنبع من الداخل، من ثقافة مؤسسية تمنح الأولوية لتلبية توقعات الأسواق عن الحقيقة.

 

المصادر: أرقام – موقع “ليرنرز” – جامعة “أوتاوا” – وول ستريت جورنال –  سي بي سي

للمزيد من المقالات

اضغط هنا