من سميث إلى الاستعمار .. صراع التجارة والهيمنة
لم تقم كل الإمبراطوريات بدافع الجشع وحده، كما أن كثيراً من الغزاة لم يروا أنفسهم غزاة أصلاً.
عبر التاريخ، برر قادة سياسيون ومفكرون توسعهم في أراضي الآخرين باعتباره رسالة حضارية أو مهمة أخلاقية تهدف إلى “إنقاذ” الشعوب الأقل تقدماً.
هذه الفكرة — التي تبدو اليوم مثار جدل أخلاقي حاد — هي محور كتاب الاقتصادي الأمريكي ويليام إيسترلي “المنقذون العنيفون” (Violent Saviors)، الذي يقدم قراءة واسعة لتاريخ يمتد ثلاثة قرون من الفكر السياسي والأخلاقي في الغرب، ويتتبع كيف تحولت فكرة “التقدم” أحياناً إلى مبرر للهيمنة والاحتلال.
لا يكتفي الكتاب، الذي يقع في نحو 448 صفحة، بسرد تاريخ الاستعمار أو سياسات التنمية الاقتصادية، بل يغوص في النقاشات الفكرية التي شكلت رؤية الغرب للعالم منذ القرن الثامن عشر. ويطرح أسئلة تتجاوز الاقتصاد والسياسة لتصل إلى جوهر الأخلاق السياسية: هل يملك مجتمع ما حق فرض رؤيته للتقدم على مجتمع آخر؟ وهل يمكن أن يكون “التقدم” ذريعة للسيطرة؟

آدم سميث.. التجارة بديلاً عن الفتح
يبدأ إيسترلي رحلته الفكرية بالعودة إلى القرن الثامن عشر، مستحضراً أعمال الفيلسوف والاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث، الذي يُعد أحد أبرز منظري الليبرالية الكلاسيكية.
ويحظى سميث باهتمام خاص في الكتاب، خصوصاً مع مرور 250 عاماً على صدور عمله الشهير “ثروة الأمم”، أحد أهم النصوص المؤسسة للفكر الاقتصادي الحديث.
بالنسبة لإيسترلي، يمثل سميث الأب الروحي لتقليد فكري يقوم على احترام حقوق الأفراد والتبادل الطوعي بين الشعوب. فقد رأى سميث أن التجارة الحرة يمكن أن تكون قوة حضارية، لأنها تقوم على المصالح المتبادلة لا على الإكراه أو السيطرة. ولم يكن مؤيداً لفكرة أن تتولى الدول الأوروبية “المتحضرة” حكم بقية العالم أو فرض وصايتها عليه.
في المقابل، يدخل إيسترلي سميث في مواجهة فكرية مع المفكر الفرنسي نيكولا دو كوندورسيه، الذي اشتهر بدفاعه عن التقدم والعقلانية، لكنه تبنى في الوقت نفسه ما يسميه إيسترلي “حق الفتح من أجل التنمية”.
ووفق هذا التصور، يمكن لأمة تعتبر نفسها أكثر تقدماً أن تسيطر على أراضي شعب آخر إذا اعتقدت أنها قادرة على استغلال تلك الأراضي بطريقة أكثر إنتاجية.
“حق الفتح” باسم الحضارة
هذه الفكرة كانت تعني عملياً أن الشعوب الأوروبية قد ترى من حقها حكم القبائل أو المجتمعات التي تكتشفها، بحجة دفعها نحو “مستوى أعلى من الحضارة”. وإذا رفضت تلك المجتمعات الخضوع، فقد كان يُنظر إلى قتل أفرادها أو طردهم من أراضيهم كخيار مشروع لتحقيق ذلك الهدف.
هنا يرسم إيسترلي ما يراه الانقسام الفكري الكبير الذي حكم التوسع الأوروبي خلال القرون التالية. فمن جهة، هناك مفكرون تبنوا رؤية سميث القائمة على التجارة والتعايش السلمي. ومن جهة أخرى، هناك من اعتبر أن تفوق أوروبا الثقافي أو التكنولوجي يمنحها الحق في توجيه مصير الشعوب الأخرى.
ويرى إيسترلي أن الكفة التاريخية مالت في معظم الأحيان لصالح الاتجاه الثاني. فالتاريخ الاستعماري لم يكن مجرد سلسلة من الحملات العسكرية، بل كان مدعوماً أيضاً بنظريات فكرية حاولت تبرير الهيمنة باسم التقدم أو “المصلحة العامة”.

تبريرات أخلاقية للهيمنة
مع ذلك، يلاحظ المؤلف أن قلة من المستعمرين اعترفوا صراحة بأن دوافعهم كانت اقتصادية أو مادية بحتة. فحتى أكثرهم قسوة حاولوا بناء سرديات أخلاقية تبرر أفعالهم. فالعبودية مثلاً لم تُقدم دائماً باعتبارها استغلالاً مباشراً، بل كجزء من مشروع يزعم أنه يسعى إلى “تمدين” الشعوب غير الأوروبية.
لكن الفارق الجوهري، وفق إيسترلي، يكمن في طريقة النظر إلى إرادة الشعوب الأخرى. فبينما رأى الليبراليون الكلاسيكيون أن لكل مجتمع الحق في تحديد مصالحه بنفسه، اعتبر كثير من المفكرين والسياسيين أن من حقهم تجاوز إرادة الآخرين وفرض رؤيتهم لما يجب أن يكون عليه المستقبل.
وهكذا تحول السؤال من: “هل تستحق هذه الشعوب الحكم الذاتي؟” إلى سؤال أكثر عمقاً طرحه بعض الليبراليين: “هل نحن مؤهلون أخلاقياً لحكمها بالقوة؟”.
طريق طويل نحو إلغاء العبودية
لم يكن تقدم الأفكار الليبرالية سريعاً أو سهلاً. فقد واجهت فكرة مساواة البشر، بغض النظر عن العرق أو الأصل، مقاومة شديدة داخل المجتمعات الأوروبية نفسها. ومع ذلك، يرى إيسترلي أن أحد أعظم انتصارات هذا التيار الفكري تمثل في إلغاء العبودية في العالم الحديث.
بدأ هذا التحول في الإمبراطورية البريطانية بجهود سياسية وأخلاقية قادها شخصيات مثل ويليام ويلبرفورس، الذي قاد حملة طويلة لإنهاء تجارة العبيد. أما في الولايات المتحدة، فقد تحقق الإلغاء بعد حرب أهلية مدمرة كلفت البلاد مئات الآلاف من القتلى.
وبعد عام 1865، اعتبر كثير من المؤرخين أن العالم دخل مرحلة جديدة أكثر إنسانية، خاصة مع تراجع تجارة العبيد العابرة للقارات. غير أن إيسترلي يحذر من النظر إلى تلك اللحظة باعتبارها نهاية للظلم الاستعماري.
ما بعد العبودية.. استمرار الوصاية
حتى بعد إلغاء العبودية، استمرت أشكال مختلفة من السيطرة الاستعمارية. ويشير إيسترلي إلى أن سياسات ملاك مزارع السكر في الكاريبي قبل التحرر كانت تشترك في كثير من السمات مع سياسات الإدارات الاستعمارية في أفريقيا خلال القرن العشرين.
القاسم المشترك بين هذه النماذج، بحسب الكاتب، هو الافتراض الضمني بأن التفوق التكنولوجي أو العرقي يمنح الأوروبيين الحق في إدارة شؤون الشعوب الأخرى، باعتبارها غير قادرة على إدارة نفسها.
وفي كثير من الحالات، كانت مشاريع “التنمية” تُصمم دون أي استشارة حقيقية للسكان المحليين، بل كانت تُفرض عليهم من أعلى، باسم التقدم أو الإصلاح.

أصوات من داخل التاريخ
يحاول إيسترلي أيضاً إعادة الاعتبار لبعض الأصوات التي عاشت تجربة الاستعمار أو العبودية. ومن بين الشخصيات التي يستشهد بها الكاتب فريدريك دوغلاس، العبد السابق الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز دعاة إلغاء العبودية في الولايات المتحدة.
كما يسلط الضوء على شخصيات أقل شهرة، مثل سامسون أوكام، وهو من سكان أمريكا الأصليين ودرس في مدرسة تبشيرية تحولت لاحقاً إلى كلية دارتموث، وكذلك كوبنا أوتوباه كوجوانو، وهو عبد سابق في بريطانيا كتب دفاعاً عن حقوق السود وانتقد مشاريع إعادة توطينهم في مستعمرات أفريقية.
من خلال هذه الشهادات، يحاول الكتاب تقديم رواية أكثر توازناً للتاريخ، تُظهر كيف عاش أولئك الذين كانوا موضوعاً لسياسات “التحضير” أو “التنمية”.
نقد لخطط التنمية الكبرى
لا يقتصر نقد إيسترلي على الماضي الاستعماري البعيد، بل يمتد أيضاً إلى سياسات التنمية الحديثة. فالكاتب اشتهر سابقاً بانتقاده للنهج التكنوقراطي في التنمية الاقتصادية في كتب مثل “عبء الرجل الأبيض” و”طغيان الخبراء”.
وفي “المنقذون العنيفون”، يعود إلى جذور هذه الأفكار ليكشف كيف أن العديد من المشاريع الكبرى التي صاغها سياسيون وخبراء في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت مبنية على افتراضات متعالية حول قدرة الغرب على توجيه مسار المجتمعات الأخرى.
ويشن إيسترلي نقداً لاذعاً على شخصيات تاريخية عديدة، من بينها مفكرون فرنسيون في القرن الثامن عشر، وصولاً إلى سياسيين مثل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ومستشار الأمن القومي الأمريكي في الستينيات والت روستو.
تيار مضاد أكثر تواضعاً
في المقابل، يقدم المؤلف قائمة أقصر من المفكرين الذين دافعوا عن رؤية مختلفة، تقوم على احترام حرية الأفراد والمجتمعات. ويضم هذا التيار شخصيات مثل بنيامين كونستانت، وجون ستيوارت ميل، وإيزايا برلين، إضافة إلى اقتصاديين ليبراليين مثل لودفيغ فون ميزس وفريدريش هايك وميلتون فريدمان.
ويرى إيسترلي أن القاسم المشترك بين هؤلاء هو رفضهم لفكرة أن التقدم يمكن فرضه بالقوة، أو أن الخبراء قادرون على تخطيط مصير المجتمعات من الخارج.

تحديات معاصرة
يختتم الكتاب بنظرة إلى الحاضر، حيث تواجه الأفكار الليبرالية — مثل التجارة الحرة والنظام الدولي القائم على القواعد — تحديات متزايدة. فصعود التيارات الشعبوية في عدد من الدول أعاد إحياء أفكار اقتصادية تميل إلى القومية الاقتصادية والحماية التجارية.
ويضرب إيسترلي مثالاً بسياسات الرسوم الجمركية التي استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياقات متعددة، من حماية الصناعات المحلية إلى طرح أفكار توسعية مثل السيطرة على غرينلاند.
في النهاية، يقدم “المنقذون العنيفون” سردية فكرية طويلة عن الصراع بين رؤيتين للعالم: رؤية تؤمن بأن التعاون الطوعي والتجارة المتبادلة يمكن أن تبني نظاماً أكثر عدلاً، وأخرى ترى أن التقدم قد يتطلب أحياناً فرض الإرادة بالقوة.
وبين هذين المسارين، يذكّر الكتاب بأن الكثير من الصراعات التي شكلت العالم الحديث لم تكن فقط صراعات على الأرض أو الثروة، بل كانت أيضاً معارك فكرية حول معنى الحرية، وحدود السلطة، ومن يملك حق تحديد مستقبل الآخرين.
المصدر: “ذا ديلي إيكونومي”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
