التخطي إلى المحتوى

من الموضة إلى المليارات .. رحلة تحول أمانسيو أورتيغا

في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في خريطة ثروات العالم، أصبح الملياردير الإسباني أمانسيو أورتيغا، مؤسس إمبراطورية الأزياء “زارا”، أكبر مستثمر عقاري فردي على مستوى العالم، بعد أن بنى خلال عقدين محفظة عقارية ضخمة تتجاوز قيمتها التقديرية 25 مليار دولار، تمتد عبر أكثر من 200 أصل عقاري في نحو 13 دولة.

 

أورتيغا، الذي تبلغ ثروته الإجمالية حوالي 141 مليار دولار، لم يعد مجرد اسم مرتبط بصناعة الأزياء عبر شركته الأم “إنديتكس”، بل أصبح اليوم أحد أبرز “بارونات العقارات” عالمياً، بعد أن ضخ أكثر من 3 مليارات دولار خلال عام واحد فقط في صفقات عقارية شملت مكاتب فاخرة وفنادق ومراكز لوجستية ومجمعات تجارية في عشرات المدن حول العالم.

 

 

توسع عقاري غير مسبوق

 

في نوفمبر الماضي، أثار أورتيغا اهتمام الأسواق العالمية بعد شرائه مبنى “بريد كندا” التاريخي في مدينة فانكوفر الكندية مقابل نحو 850 مليون دولار نقداً، وهو أحد أكبر صفقات المكاتب العقارية في تاريخ كندا.

 

المبنى الضخم الذي يمتد على مساحة تفوق مليون قدم مربعة، مؤجر بالكامل لشركة أمازون، ما يعكس استراتيجية أورتيغا القائمة على استهداف أصول عقارية “آمنة” ذات مستأجرين كبار ومستقرين.

 

ولم تكن هذه الصفقة سوى واحدة من 13 عملية استحواذ نفذها خلال عام واحد فقط، توزعت على 10 مدن في 8 دول، وشملت سبعة مبانٍ مكتبية، وفندقين، ومجمعين صناعيين، ومركزاً تجارياً فاخراً، وبرجاً سكنياً، إضافة إلى حصة في ميناء بريطاني كبير.

 

ومنذ إدراج شركة “إنديتكس” في البورصة الإسبانية عام 2001، أنفق أورتيغا نحو 24 مليار دولار على شراء 216 عقاراً تقريباً، احتفظ بأغلبها ولم يبع سوى عدد محدود لا يتجاوز 10 أصول فقط، وهو ما يعكس استراتيجية استثمار طويلة الأجل غير تقليدية في عالم العقارات.

 

فلسفة استثمار مختلفة

 

بحسب خبراء وسماسرة عقاريين تعاملوا مع شركته “بونتيغاديّا”، فإن أورتيغا يتبع فلسفة استثمارية مختلفة جذرياً عن معظم المستثمرين في القطاع.

 

فهو لا يعتمد على التمويل بالدين، بل ينفذ جميع صفقاته نقداً، كما أنه لا يسعى إلى إعادة تطوير العقارات أو إعادة بيعها لتحقيق أرباح سريعة، بل يحتفظ بها لعقود طويلة بهدف الحصول على تدفقات نقدية مستقرة.

 

أحد الوسطاء العقاريين وصفه بأنه “أقرب إلى جامع تحف فنية منه إلى مستثمر تقليدي”، مضيفاً أنه يركز على “الأصول النادرة في أفضل المواقع الحضرية، والتي يصعب تعويضها”.

 

ومن أبرز ممتلكاته العقارية: برج “توري بيكاسو” في مدريد، ومبنى “ديفونشاير هاوس” المطل على حديقة غرين بارك في لندن، ومجمع “تروي بلوك” في سياتل الذي يشغله مقر أمازون، إضافة إلى مبانٍ كبرى في تورونتو وسياتل ولندن.

 

كما تشمل قائمة المستأجرين داخل أصوله شركات عالمية عملاقة مثل أمازون وآبل وميتا ونايكي وسبوتيفاي، إلى جانب شركات لوجستية مثل فيديكس وولمارت وهوم ديبوت، ما يعزز استقرار العوائد طويلة الأجل.

 

 

نموذج مالي منخفض المخاطر

 

واحدة من أبرز سمات إمبراطورية أورتيغا العقارية هي مستوى المخاطر المنخفض للغاية.

 

فبحسب البيانات المالية لشركته العقارية، لا تتجاوز نسبة الديون 2% من إجمالي الأصول، وهو مستوى شبه غير مسبوق في قطاع يعتمد عادة على التمويل بالاقتراض.

 

كما أن استراتيجية الشراء تركز على “الأصول الدفاعية”، أي العقارات ذات المواقع الاستراتيجية في مراكز المدن الكبرى، والتي تحافظ على قيمتها حتى في فترات الركود الاقتصادي.

 

ويؤكد مستشارون ماليون أن هذا النموذج يمنح أورتيغا حماية كبيرة من تقلبات أسواق العقارات، خصوصاً في ظل الضغوط التي يشهدها قطاع المكاتب عالمياً نتيجة تغير أنماط العمل بعد جائحة كورونا.

 

الدافع الضريبي وراء التوسع العقاري

 

ورغم الطابع الاستثماري المحافظ، فإن جزءاً كبيراً من توسع أورتيغا العقاري يرتبط أيضاً باعتبارات ضريبية معقدة في إسبانيا.

 

فالقوانين الإسبانية تفرض ضريبة ثروة سنوية قد تصل إلى 3.5% على الأثرياء، إضافة إلى ضرائب تضامنية تم إدخالها لاحقاً، ما يجعل الاحتفاظ بالنقد غير مستحب مالياً.

 

لكن القانون يستثني الشركات العائلية النشطة التي تستوفي شروطاً محددة، وهو ما ينطبق على شركته “بونتيغاديّا”.

 

وبالتالي، فإن إعادة استثمار أرباح “إنديتكس” في أصول تشغيلية مثل العقارات والبنية التحتية يسمح له بتقليل العبء الضريبي بشكل كبير.

 

وتشير تقديرات إلى أنه وفر نحو 800 مليون دولار من ضرائب الثروة خلال 25 عاماً عبر هذه الاستراتيجية.

 

كما تمكن من تخفيض ضريبة الأرباح الموزعة من “إنديتكس” إلى نحو 1.25% فقط، بدلاً من معدل يصل إلى 30% في حالات الدخل الشخصي، وذلك بفضل هيكلة ملكيته عبر الشركة القابضة.

 

 

إمبراطورية تُدار بعدد موظفين محدود

 

رغم حجم الأصول الهائل، لا يتجاوز عدد موظفي شركة “بونتيغاديّا” نحو 90 موظفاً فقط موزعين على 8 مكاتب حول العالم. كما يتكون مجلس إدارتها من أربعة أشخاص فقط: أورتيغا، وزوجته الثانية، وابنته مارثا أورتيغا رئيسة “إنديتكس”، والمدير التنفيذي للشركة.

 

هذا الهيكل البسيط يعكس طبيعة الإدارة المحافظة التي تعتمد على القرارات المركزية والصفقات الكبرى طويلة الأجل، دون توسع بيروقراطي كبير.

 

تدفقات نقدية ضخمة

 

من المتوقع أن يتلقى أورتيغا توزيعات أرباح قياسية من “إنديتكس” تبلغ نحو 3.8 مليار دولار خلال عام واحد فقط، ما يمنحه سيولة إضافية لمواصلة التوسع في العقارات والبنية التحتية.

 

وقد بدأ بالفعل في توجيه جزء من هذه الأموال نحو صفقات جديدة، من بينها صفقة استحواذ على شركة لوجستية عالمية بقيمة 8 مليارات دولار بالشراكة مع مستثمرين آخرين.

 

نموذج استثماري طويل الأمد

 

في النهاية، يعكس نموذج أورتيغا تحولاً في طريقة تفكير كبار الأثرياء العالميين، حيث لم يعد الاستثمار في العقارات مجرد تنويع للمحافظ المالية، بل أصبح أداة استراتيجية لإدارة الثروة وتقليل المخاطر الضريبية وضمان تدفقات نقدية مستقرة على المدى الطويل.

 

وبينما يتجه كثير من المستثمرين نحو المضاربة السريعة أو الابتكار التكنولوجي، يواصل أورتيغا بناء إمبراطوريته بصمت، عبر استراتيجية تقوم على الشراء والاحتفاظ لعقود، في نهج أشبه بـ”تجميع الأصول النادرة” بدلاً من التداول السريع.

 

وهكذا، تحول مؤسس زارا من رجل صناعة أزياء إلى أحد أقوى اللاعبين في سوق العقارات العالمي، في قصة تعكس كيف يمكن لرؤية استثمارية طويلة الأمد أن تعيد تعريف معنى الثروة والنفوذ الاقتصادي على مستوى العالم.

 

المصدر: “إنتربرونور”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا