دروس من النرويج .. الثراء وحده لا يكفي
في وسط أجواء شتوية ضبابية على ميناء أوسلو، يرتفع متحف إدفارد مونك كعملاق من الألمنيوم والزجاج المعاد تدويره، كرمز لدولة يمكن أن تدفع أي مبلغ مقابل أي فكرة.
متأخر بعقد كامل، ومكلف بما يقارب 550 مليون دولار، يعكس المتحف ما يمكن تسميته “غنى مطلق”—بلد يستطيع شراء كل شيء، لكنه يجد نفسه أحياناً ضائعاً أمام وفرة موارده.
النرويج، التي بنت اقتصادها على النفط، أصبحت نموذجاً للدولة الغنية: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 90 ألف دولار، وصندوق الثروة السيادي يبلغ 2.2 تريليون دولار، أي نحو 400 ألف دولار لكل مواطن من 5.6 مليون نسمة.
هذه الثروة تمكّن الحكومة من تمويل رفاهية شاملة، من الصحة إلى التعليم، ما يجعل الحياة اليومية سهلة ومستقرة.

ثمن خفي
لكن هذا الرفاهية المطلقة تأتي مع ثمن خفي. في عام 2025، احتل كتاب “الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم” قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، محاولاً تسليط الضوء على مخاطر الوفرة المفرطة.
ويدعو المؤلف مارتن بيك هولت إلى التساؤل: هل ثراء الدولة يمكن أن يعيق مستقبلها؟
ارتفاع العائدات النفطية والعوائد الاستثمارية زاد من سخاء الحكومة، ما جعل السياسيين أقل حذراً في قراراتهم.
على سبيل المثال، المساهمات من صندوق الثروة في 2025 شكلت حوالي 20% من الإنفاق الحكومي، مقارنة بأقل من 5% عام 2008.
هذا يعطي القادة مساحة لتأجيل القرارات الصعبة، بينما يشعر المواطنون بأن مزيداً من الإنفاق ممكن دائماً.
تزيد تكاليف الرعاية الصحية في النرويج بنسبة 30% عن متوسط الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك يُنظر إلى أي إصلاح على أنه غير ضروري طالما أن المال موجود.
في الوقت نفسه، مشاريع مثل متحف مونك وتجديد مبنى البرلمان تكلف أضعاف التقديرات وتستغرق سنوات أطول من المقرر.
المواطنون أنفسهم لا يبدون حذرين مالياً؛ متوسط ديون الأسر يصل إلى 250% من الدخل السنوي، الأعلى في أوروبا، ويعكس اعتماداً على ثروة الدولة كشبكة أمان.
الشباب أيضاً أقل ميلاً للعمل المنتظم، حيث يصل معدل البطالة في العشرينيات إلى نحو 10%، مع ارتفاع معدلات ترك المدرسة الثانوية والجامعات.
التعليم العالي مجاني تقريباً، مع قروض سخية، ما يشجع على تأخير التخرج وتغيير التخصصات مرات عدة.
عوائد الثروة مقابل الاقتصاد الحقيقي
قد يجادل البعض بأن هذه المشكلات لا تهم طالما أن الدولة تستطيع الإنفاق على رفاهية المواطنين.
في الواقع، طالما أن عوائد صندوق الثروة تتجاوز 6% سنوياً، يمكن للحكومة الاستمرار في الإنفاق المرتفع لفترة طويلة، حتى بعد نفاد النفط المتوقع بعد 50 عاماً.
لكن هذا التفكير يفتقد بعدين مهمين:
– أولاً، من الناحية العملية، من غير المؤكد أن العوائد الاستثمارية ستظل مستقرة عند هذا المستوى دون زيادة الإنتاجية العالمية أو تحولات اقتصادية غير متوقعة.
– ثانيًا، الاقتصادات المزدهرة تفيد المجتمع بطرق تتجاوز مجرد الرخاء المالي: الضرائب تجبر السياسيين على المحاسبة، المستثمرون الأجانب يضيفون المعرفة، والعمل المنتظم يعطي الناس إحساساً بالهدف والانتماء. الثراء وحده لا يكفي لتحقيق الرخاء البشري.

التحديات الاقتصادية الناشئة
الاستهلاك المفرط وارتفاع الديون الفردية يضعف قدرة البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة، ما يضعف العملة ويجعل المستثمرين الأجانب مترددين. الإنتاجية تتوقف عن النمو، والأجور الحقيقية بدأت تنخفض.
وهذا يسلط الضوء على ما يسميه الاقتصاديون “مرض النرويج”: عندما تصبح الثروة متاحة بلا حدود، قد يتراخى الدفع للإنتاج والابتكار، ويصبح الاعتماد على الأموال المستقرة عائقاً أمام التحفيز الاقتصادي الحقيقي.
بالإضافة إلى ذلك، ثراء الدولة يجعلها أقل حساسية تجاه الكفاءة والمساءلة.
مشاريع عامة مكلفة، الدعم السخي للطلاب، والمساعدات الدولية الكبيرة—كلها أمثلة على كيفية أن الوفرة تجعل القرار الحكومي أقل حذرًا، والمواطنين أقل حرصًا على الأداء الفردي والادخار.
النرويج تقدم مثالاً صارخاً على أن الغنى يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين.
الدولة تستطيع تلبية احتياجات مواطنيها اليوم وغداً، لكنها تواجه تحدياً أخلاقياً واقتصادياً: كيف تحافظ على المساءلة، الكفاءة، والتحفيز وسط ثروة مطلقة؟ الثروة وحدها لا تضمن مستقبلًا مستدامًا؛ بل تحتاج إلى سياسات تحفز الإنتاجية، وتعزز التعليم القائم على الإنجاز، وتشجع على إدارة الموارد بحكمة.
النرويج ليست وحيدة في هذا الاختبار: بل هي نموذج لدولة غنية جداً بحيث تصبح الوفرة نفسها عامل تهديد للمساءلة والإنتاجية المستقبلية.
أما الدرس الأهم لأي بلد ثري، فهو أن الثراء يجب أن يقود إلى الابتكار والمسؤولية، لا إلى التراخي والاعتماد على الأموال الضخمة فقط.
المصدر: “ذي إيكونوميست”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
