فن جني الأرباح
لا يُقاس نضج استراتيجية التداول عادةً بدقة نقاط الدخول، بل بمدى انضباط إطار الخروج، فبالنسبة للمستثمر المحترف والمضارب المعتمد على البيانات، يُعدّ جني الأرباح عملية متعددة الأبعاد تشمل تخفيف المخاطر، ومراعاة التقلبات، والإدارة النفسية.

بينما يركز المستثمرون الأفراد غالبًا على “البحث” عن الأصول المقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، يُدرك المستثمر الخبير أن الثروة مجرد مفهوم نظري إلى أن تتحقق من خلال عملية تصفية منهجية.
فما هي المنهجيات التي تستخدمها المؤسسات الاستثمارية والمستثمرون البارزون في الأسهم والذهب والسلع والعقود الآجلة، وكيف يخططون لتحقيق المكاسب في اقتصاد عالمي متزايد التفاعل.
كيفية تجني المؤسسات أرباحها؟
– يتمثل التحدي الرئيسي في أي سيناريو لجني الأرباح في تحديد نطاق عادل ومعقول للخروج، وغالبًا ما ترفض المؤسسات الاستثمارية الأهداف الثابتة للنسبة المئوية، وتعتمد على أنظمة رياضية محكمة لحساب نقاط الخروج المربحة.
– نظرًا لأن حركة بنسبة 10% (على سبيل المثال) في سعر الأصل خلال استقرار السوق ليست هي نفسها في وقت اضطرابه، فإن متوسط النطاق الحقيقي (ATR) يستخدم لتحديد النطاق المنطقي لجني الأرباح.
– يرتكز هذا المؤشر على اختيار أكبر قيمة من بين: الفرق بين أعلى وأدنى سعر خلال الجلسة، أو الفرق بين أعلى سعر في الجلسة ومستوى الإغلاق السابق، أو الفرق بين أدنى سعر والإغلاق السابق.
– على سبيل المثال، إذا كان أعلى سعر 150 دولار وأدنى سعر 140 دولار والإغلاق السابق 130 دولار، فإن الفرق الأعلى قيمة والذي يحدد النطاق الحقيقي للحركة هو ما بين “أعلى سعر في الجلسة ومستوى الإغلاق السابق” وهو 20 دولار.
– في الممارسة العملية، تعتمد المؤسسات عادة على متوسط متحرك لهذه القيمة لفترة 14 يومًا/ شمعة، وذلك لتحديد مستويات جني أرباح تتسم بواقعية إحصائية، والتي تحدد كنسبة من هذا المتوسط (مثل 0.8 أو 1.2 × ATR) بناءً على أهداف وقراءة المؤسسات الاستثمارية للسوق.

– عادةً ما تقع الأهداف الواقعية للمؤسسات ضمن نطاق (0.5 إلى 1 × قيمة ATR)، فيما تُستخدم مستويات أعلى (ربما 1.5 أو 2 × ATR) في حال توقع زخم قوي أو تحركات استثنائية.
– لا يمكن تجاهل أهمية الانحراف المعياري في نماذج المؤسسات، حيث تقيس مدى انحراف سعر الأصل عن متوسطه، مما يوفر مؤشرًا على ما إذا كانت السوق تعمل بشكل طبيعي.
– تشير قراءات الانحراف المعياري المرتفعة إلى تقلبات سعرية حادة، وهو ما يفسره المتداولون المحترفون كإشارة لتضييق نطاق وقف الخسارة أو البدء في تقليص المراكز لجني الأرباح قبل العودة الحتمية إلى المتوسط.
دليل “أونيل” لأسهم النمو
– لا تزال المنهجية التي تبناها “ويليام أونيل” من خلال أبحاثه ركيزة أساسية لجني الأرباح بذكاء، حيث يشير إلى أن أسهم النمو الأكثر نجاحًا عادةً ما ترتفع بنسبة 20% إلى 25% بعد اختراق نمط سعري محدد، ثم تتراجع لتشكيل قاعدة سعرية جديدة.
– هذه النسبة ليست رقمًا عشوائيًا، بل هي دليل مدعوم بالبيانات مستمد من عقود من دراسة الشركات الرائدة في السوق، حيث يدعو “أونيل” من خلالها إلى تبني عقلية “النجاح التدريجي” بدلًا من “النجاح الباهر”، والتركيز على “تأثير تراكم المكاسب المتعددة”.
– مع ذلك، توجد استثناءات مهم لقاعدة 20-25%، حيث تُطبق “قاعدة الاحتفاظ لمدة 8 أسابيع إضافية” عندما يُظهر السهم قوة استثنائية، وذلك إذا ارتفع بنسبة 20% في أقل من ثمانية أسابيع من سعر شرائه، لأن ذلك غالبًا ما يُشير إلى سهم رابح للغاية (يحتمل ارتفاعه 100% أو أكثر).

كيف يحدد الذروة ونقاط الخروج؟
– المرحلة الأخيرة من استراتيجية “أونيل” للخروج من السوق هي إدراك “ذروة الارتفاع”، وهي مرحلة نهائية يرتفع فيها سعر السهم فجأةً بشكل حاد بعد أشهر عدة من الارتفاع.
– تتميز هذه الذروة بعلامات محددة تشير إلى ضرورة جني الأرباح فورًا، مثل ارتفاع سعر السهم بنسبة 25% إلى 50% خلال أسبوع إلى ثلاثة أسابيع بعد ارتفاع مطول، كما تتسم بارتفاعات يومية وأسبوعية استثنائية.
– تشهد أيضًا ما يعرف بـ “فجوات الإرهاق”، حيث يفتتح السهم بسعر أعلى بكثير من إغلاق الجلسة السابقة، وقد تشهد هذه الفترة أيضًا عمليات تجزئة “مفرطة” للسهم.
– على الرغم من صعوبة قرار البيع خلال هذه الفترات من التعاظم السريع للثروة، يدرك المستثمرون الأذكياء أن جميع الأسهم التي تشهد ارتفاعًا حادًا لا تعود إلى ذروتها قبل فترة طويلة في كثير من الأوقات.
بافت والمخضرمون
– بالنسبة لـ “وارن بافت”، الذي يشتهر بنهج “الشراء والإبقاء” لاستثمار طويل الأجل، لا تكمن إشارة الخروج الحاسمة في نمط بياني أو ارتفاع مفاجئ في التقلبات، بل في انهيار الميزة التنافسية المستدامة للشركة.
– يظل خروج “بافت” من قطاع الطيران عام 2020 مثالًا بارزًا على البيع بعد حدوث تغيير هيكلي، ويسلط انتقاد حكيم أوماها لقطاع الطيران الضوء على نهج “تدمير الأصول” الذي تتبعه الشركات في قطاعات السلع الأساسية غير الخاضعة للتنظيم.
– أما ملياردير مثل “جورج سوروس” فتُعد استراتيجية الخروج لديه امتدادًا لنظرية الانعكاسية التي ترفض الافتراض الاقتصادي الكلاسيكي القائل إن “الأسواق تميل نحو التوازن”، حيث يعتقد هو أن تحيزات المشاركين في السوق تؤثر على العوامل الأساسية، والتي بدورها تعزز تحيزات المشاركين، مما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل.
– بالتالي يحين موعد الخروج عندما تبدأ هذه الدائرة بالانهيار، حيث يقول “سوروس” إنه “سيندفع لشراء” فقاعة أثناء تشكلها، لأن هذه المرحلة يتبعها اتجاه مربح للغاية، وسيخرج عندما يصبح التباين بين سعر السوق وواقع الأساسيات شديدًا.

– بالنسبة لـ “جيسي ليفرمور” (أحد أشهر المضاربين في تاريخ الأسواق)، فيرى أن “الثروة الطائلة” لا تُجنى بالتفكير وإنما بالانتظار، وكانت استراتيجيته تقوم على السماح للاتجاه بالتطور الكامل، ومقاومة إغراء جني الأرباح الصغيرة مبكرًا.
– مع ذلك، كان “ليفرمور” منضبطًا بنفس القدر في إدراك “إشارة الخطر”، فما دام أداء السهم “صحيحًا” (يتسم بردود فعل طبيعية عند انخفاض حجم التداول، يتبعها استئناف الاتجاه عند ارتفاع حجم التداول) فعلى المستثمر البقاء في مركزه.
– لا تعتمد خطوة جني الأرباح “الذكية” بالنسبة لـ “ليفرمور” على هدف سعري محدد، بل على تغيّر طبيعة حركة السعر نفسها، وقد جنى ثروة طائلة بالفعل من بيع الأسهم قبل انهيارها قبل نحو 100 عام.
ماذا عن أسواق السلع؟
– في تداول السلع، تتأثر عملية جني الأرباح بشكل كبير بدورات العرض والطلب المادي والترابطات الاقتصادية الكلية، وعلى عكس الأسهم، نادرًا ما تتبع السلع اتجاهات صعود مستمرة لفترات طويلة، إذ تميل إلى التحرك في دورات سعرية وتكون عرضة لتصحيحات حادة تعيدها نحو متوسطاتها.
– يركز المستثمرون الأذكياء في هذا المجال على استباق الاتجاهات الموسمية ومراقبة مؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، حيث يُعد ارتفاع قيمة العملة الأمريكية إشارة موثوقة لجني الأرباح من سلع مثل الذهب والفضة والنفط.
– نظرًا لأن أسعار هذه الأصول تُقوّم بالدولار عالميًا، فإن ارتفاع مؤشر العملة الأمريكية يُشكل حدًا طبيعيًا لارتفاع الأسعار، فمثلًا خلال صيف عام 2025، كان ارتفاع الدولار محفزًا رئيسيًا لإعادة موازنة محافظ المؤسسات بعيدًا عن السلع رغم قوة أساسياتها.
– يستخدم متداولو السلع المحترفون نماذج موسمية لتحديد توقيت خروجهم من السوق، وتشير الأبحاث إلى أن هذه الاستراتيجية (الخروج من المركز قبل شهر واحد من الذروة الموسمية التقليدية- مثل ارتفاع النفط في موسم القيادة) غالبًا ما تحقق عوائد معدلة حسب المخاطر أفضل.
– خلال عام 2025، سجل الذهب أكثر من 50 مستوى قياسيًا جديدًا، مدفوعًا بتضخم الدين الأمريكي وهشاشة الوضع المالي والتوترات الجيوسياسية، وعلى الرغم من التفاؤل على المدى الطويل، ظل جني الأرباح على المدى القصير ضروريًا، وهو ما شهدناه في الأشهر القليلة الماضية.

فن جني الأرباح
– إن فن جني الأرباح هو السمة المميزة للمستثمر الذكي، فهي عملية تدمج الدقة الرياضية لمؤشر متوسط النطاق الحقيقي (ATR) مع الانحراف المعياري (بالنسبة للمؤسسات) إلى جانب الرؤى التاريخية لـ “وليفرمور” والأطر الفلسفية الكلية لـ “سوروس” وبافت”.
– في بيئة السوق المعاصرة، التي تتسم بالهيمنة المالية والمخاطر الجيوسياسية، يتخلى المستثمر الذكي عن البحث عن “القمة المثالية” لصالح عملية تصفية منضبطة ومتدرجة.
– من خلال إعطاء الأولوية للحفاظ على رأس المال عبر وقف الخسارة، وجني الأرباح، يضمن المستثمر تحويل العائد الإضافي غير المحقق إلى رأس مال دائم.
– يدرك المستثمر الذكي أن السوق نظام انعكاسي، حيث يصبح قادة اليوم متخلفين غدًا، وأن النصر الحقيقي الوحيد هو الانسحاب الناجح من الساحة في الوقت المناسب.
المصادر: أرقام- بزنس إنسايدر- إنفستورز بزنس ديلي- ميديوم- بيانات سي إن بي سي- ياهو فايننس- كوانتبيديا- ترتل تريدر- واي إتش سي ويلث مانجمنت- هيدج فاند ألفا- ديسكفري أليرت- سويتش ماركتس- أفا تريد- أونجير أكاديمي
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
