لماذا يكرر المستثمرون الأخطاء نفسها في كل أزمة؟
انهيار أسعار الأسهم، تصدر عناوين تعكس قتامة الأوضاع بالأسواق، مسارعة المستثمرين لبيع محافظهم الاستثمارية، مشاهد تتكرر في كل أزمة تشهدها أسواق المال بالتفاصيل ذاتها تقريبًا، والمفارقة أنه بعد سنوات قليلة تتعافى الأسواق، ولكن في غياب أولئك المستثمرين.
وقد يحدث العكس إذ تشهد الأسواق انتعاشًا قويًا وارتفاعات متسارعة، فيندفع المستثمرون إلى الشراء بدافع التفاؤل والرغبة في اللحاق بالمكاسب، ليجدوا أنفسهم بعد ذلك أمام تصحيح حاد يعيد الأسعار إلى مستويات أدنى.

وبين هذين المشهدين المتناقضين -الذعر عند الهبوط والحماس المفرط عند الصعود- تتكرر الأخطاء ذاتها عبر الأجيال، رغم تغير الظروف الاقتصادية وتطور الأدوات الاستثمارية.
فالأسواق تتغير باستمرار، لكن سلوك المستثمرين غالبًا ما يبقى ثابتًا، ما يجعل كل أزمة تبدو مختلفة في ظاهرها، لكنها متشابهة في جوهرها.
من فقاعة الدوت كوم إلى الأزمة المالية العالمية ثم انهيار الأسواق خلال جائحة كوفيد-19، يتكرر النمط نفسه بوضوح لافت، فكل أزمة تبدو غير مسبوقة لمن يعيشها في لحظتها، لكن سلوك المستثمرين خلالها يبقى شديد التشابه عبر الزمن.
فعلى سبيل المثال سجل مؤشر إس آند بي 500 -أحد أهم مؤشرات الأسهم الأمريكية- متوسط عائد سنوي يبلغ نحو 10% منذ عام 1928 عند احتساب إعادة استثمار التوزيعات.
ومع ذلك، فإن المستثمر العادي يحقق عائدًا أقل بكثير من السوق الذي يستثمر فيه، حيث تشير أبحاث شركة التحليلات المالية دالبار إلى أن الأخطاء السلوكية -وليس ضعف المنتجات الاستثمارية- هي السبب الرئيسي في هذه الفجوة.
ففي عام 2024 مثلًا حقق المستثمر العادي في الأسهم عائدًا يبلغ 16.54%، بينما سجل مؤشر إس آند بي 500 عائدًا يقارب 25%، أي بفارق 8.5% في عام واحد فقط.
والتساؤل الذي يتبادر للذهن هو إذا كانت المعلومات متاحة على نطاق واسع، وأدوات الاستثمار أكثر تطورًا وسهولة من أي وقت مضى، فلماذا يكرر المستثمرون الأخطاء نفسها في كل مرة تنهار فيها الأسواق؟
العاطفة محرك رئيسي
تقف العواطف في قلب معظم الأخطاء الاستثمارية، فالأسواق تتحرك في دورات، لكن علم النفس البشري يميل إلى تضخيم تلك الدورات بشكل كبير.
ففي فترات الصعود، ينتشر التفاؤل بسرعة، ويزداد اقتناع المستثمرين بأن الأسعار ستواصل الارتفاع إلى ما لا نهاية. ومع ارتفاع التقييمات تتدفق المزيد من الأموال إلى السوق، ليس بالضرورة لأن الأصول جذابة، بل لأن المستثمرين يخشون تفويت الفرصة.
ويعزز هذا السلوك العاطفي ما وصفه الاقتصاديان “كارمن راينهارت” و”كينيث روجوف” في كتابهما الشهير بمتلازمة “هذا الوقت مختلف” حيث يقع عدد من المستثمرين والخبراء ضحية لها مع اعتقادهم أن القواعد الاقتصادية القديمة لم تعد تنطبق على الواقع الجديد.
هذا الانفصال عن الحقائق التاريخية هو ما يؤدي غالباً إلى تضخم الفقاعات؛ فبينما يرى المتفائلون آفاقاً غير مسبوقة، يغفلون عن أن التاريخ يعيد نفسه في أغلب الأحيان، وأن كل دورة صعود مفرطة لا بد أن تعقبها نقطة تصحيح تعيد الأسعار إلى قيمتها العادلة.

وقد ظهر هذا السلوك بوضوح خلال طفرة شركات التكنولوجيا في أواخر التسعينيات، ففي ذروة فقاعة الدوت كوم عام 2000، ارتفع مؤشر ناسداك المركب بأكثر من 400% خلال خمس سنوات فقط.
ووصلت تقييمات العديد من الشركات إلى مستويات هائلة رغم أن كثيرًا منها لم تكن تحقق أرباحًا أو حتى إيرادات مستقرة.
لكن عندما اصطدمت التوقعات بالواقع، انفجرت الفقاعة، وبين عامي 2000 و2002 فقد مؤشر ناسداك نحو 78% من قيمته، ما أدى إلى تبخر تريليونات الدولارات من القيمة السوقية.
وما جعل الخسائر أكبر بالنسبة لكثير من المستثمرين هو توقيت قراراتهم، فعدد كبير منهم دخل السوق قرب القمة مدفوعًا بالحماس الإعلامي، ثم باع بعد الانهيار بدافع الخوف.
النمط نفسه تكرر مرة أخرى خلال الأشهر الأولى من جائحة كورونا في عام 2020. فمع انتشار الإغلاقات في أنحاء العالم وتوقف الأنشطة الاقتصادية، هبطت الأسواق العالمية بسرعة تاريخية.
ففي مارس 2020 وحده انخفض مؤشر إس آند بي 500 بنحو 34% من ذروته في فبراير.
لكن ما حدث لاحقًا كان أحد أسرع التعافيات في تاريخ الأسواق، فبفضل حزم التحفيز المالي الضخمة والسياسات النقدية التوسعية، استعادت الأسواق توازنها بسرعة.
وبحلول أغسطس 2020 كان مؤشر إس آند بي 500 قد عوض جميع خسائره وبلغ مستويات قياسية جديدة.
أما المستثمرون الذين باعوا في لحظة الذعر فقد ثبتوا خسائرهم وفاتهم التعافي اللاحق، في مثال جديد على الكيفية التي يدفع بها الخوف والطمع المستثمرين إلى قرارات خاطئة خلال الأزمات.
وهم توقيت السوق
خطأ متكرر آخر هو اعتقاد المستثمرين أنهم قادرون على توقيت السوق بدقة.
نظريًا يبدو الأمر مغريًا: البيع قبل الانهيار والشراء قبل التعافي. لكن عمليًا، فإن توقع هاتين اللحظتين بدقة يكاد يكون مستحيلًا.
فالدراسات في مجال التمويل السلوكي تشير باستمرار إلى أن المستثمرين غالبًا ما يفعلون العكس تمامًا مما يتطلبه التوقيت الناجح للسوق، إذ يميلون إلى الشراء بعد الارتفاعات الكبيرة والبيع بعد الانخفاضات.
وهذا السلوك يفسر ما يسميه المحللون فجوة عوائد المستثمرين، أي الفرق بين عائد السوق والعائد الفعلي الذي يحققه المستثمرون.
فوفقًا لأبحاث شركة دالبار، فإن المستثمرين الأفراد غالبًا ما يحققون عوائد أقل من المؤشرات السوقية على مدى فترات طويلة.

وخلال العقد الأخير مثلًا، بلغ متوسط العائد السنوي للمستثمرين نحو 9.8%، مقارنة بنحو 13% سنويًا لمؤشر إس آند بي 500.
كما أظهرت دراسات شركة الأبحاث الاستثمارية مورنينغستار أن المستثمرين يخسرون جزءًا من عوائدهم المحتملة بسبب تحركاتهم المستمرة بين الصناديق الاستثمارية، إذ ينقلون أموالهم استجابة للأداء الأخير بدلًا من التركيز على الأساسيات طويلة المدى.
وغالبًا ما تحدث هذه الأخطاء خلال فترات التقلب. فيسحب المستثمرون أموالهم من الأسهم بعد الانخفاضات، ثم يعيدون الاستثمار عندما تكون الأسواق قد تعافت بالفعل.
ومع مرور الوقت، يؤدي هذا السلوك إلى تآكل العوائد بشكل كبير، حتى لو كانت المحافظ الاستثمارية نفسها متنوعة ومدارة بشكل جيد.
بعبارة أخرى، فإن أكبر تهديد لعائدات الاستثمار لا يكون دائمًا تقلب الأسواق، بل سلوك المستثمرين أنفسهم.
فخ الذاكرة
إذا كان المستثمرون قد ارتكبوا الأخطاء نفسها لعقود، فلماذا يستمرون في تكرارها؟
أحد التفسيرات هو ما يسميه علماء النفس التحيز للحداثة، وهو ميل البشر إلى إعطاء وزن أكبر للأحداث الأخيرة عند اتخاذ قراراتهم.
خلال الأزمات، تسيطر الأخبار السلبية على العناوين: إفلاسات بنوك، ركود اقتصادي، تسريحات جماعية، وتوترات جيوسياسية. هذه الأحداث تخلق رواية قوية توحي بأن الأزمة الحالية تختلف جذريًا عن كل ما سبقها.
وهذا يدفع كثيرًا من المستثمرين إلى الاعتقاد بأن الأسواق قد لا تتعافى هذه المرة، لكن التاريخ يشير إلى عكس ذلك.

فخلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008 أدى انهيار بنك ليمان براذرز إلى مخاوف من انهيار النظام المالي العالمي.
وانخفض مؤشر إس آند بي 500 بنحو 57% من ذروته في عام 2007 إلى قاعه في مارس 2009، وهو أحد أكبر الانهيارات في تاريخ الأسواق الحديثة.
في تلك الفترة اعتقد كثير من المستثمرين أن النظام المالي نفسه قد ينهار، لكن خلال العقد التالي شهدت الأسواق واحدة من أطول موجات الصعود في التاريخ.
وقد تكرر التعافي نفسه بعد أزمات أخرى، من انفجار فقاعة التكنولوجيا إلى صدمة جائحة كورونا، ومع ذلك، فإن كل أزمة جديدة تقنع المستثمرين مرة أخرى بأن الوضع الحالي استثنائي، ما يعيد إنتاج دورة الذعر والبيع.
ويظل الدرس الحقيقي الذي يتجاهله المستثمرون هو أن الأخطاء المتكررة التي يقعون فيها في كل أزمة لا ترجع إلى نقص المعلومات، إذ يمتلكون اليوم إمكانية الوصول إلى بيانات وتحليلات وأدوات مالية أكثر من أي جيل سابق، لكن ما لم يتغير هو الطبيعة البشرية.
فالخوف خلال الانهيارات والثقة المفرطة خلال فترات الصعود يظلان عاملين قويين في تشكيل قرارات المستثمرين، وغالبًا ما يدفعانهم إلى التخلي عن استراتيجياتهم في أسوأ اللحظات الممكنة.
والمفارقة أن الاستثمار الناجح لا يتعلق غالبًا بتوقع حركة الأسواق بقدر ما يتعلق بالقدرة على التحكم في السلوك.
فالأسواق ستشهد دائمًا تقلبات وأزمات وصدمات غير متوقعة. لكن التاريخ يوضح أن المستثمرين الذين يحافظون على انضباطهم خلال تلك الفترات غالبًا ما يحققون كامل إمكانات العوائد على المدى الطويل.
ولهذا، فإن أكبر خطر يواجه المستثمرين قد لا يكون الأزمة المالية المقبلة، بل القرارات التي سيتخذونها عندما تحدث تلك الأزمة.
المصادر: أرقام- شركة دالبار- شركة مورنينغستار- مؤشر إس آند بي 500- فوربس- كتاب “هذا الوقت مختلف: ثمانية قرون من الحمق المالي”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
