كيف يحكم توازن ناش سوق الأسهم؟
تلقي الشرطة القبض على اثنين متهمين بارتكاب جريمة مشتركة، فيُحبَس كلٌّ منهما في غرفة منفصلة حتى لا يتواصلا معًا، ويعرض المحقق على كلٍّ منهما، على حدة، عقد صفقة: فإذا اعترف على شريكه بالجريمة، فيخرج حرًّا دون مساءلة.
هنا يصبح أمام كلٍّ منهما خياران: الاعتراف أو التمسك بالصمت. ولكن أمام هذين الخيارين، يواجهان ثلاثة احتمالات: الأول، أن يعترف أحدهما ويصمت الآخر، فيخرج المعترف حرًّا ويتكبد الصامت أكبر عقوبة. والثاني، أن يصمت كلاهما، فيتحمل كلاهما أقل عقوبة. والثالث، أن يعترف كلاهما، فيعاني كلاهما من عقوبة متوسطة.

من السجينين إلى ناش
وهنا لا يتأثر “السجين” بقراراته فقط، بل بقرارات شريكه أيضًا؛ لذا تُعَدّ معضلة السجينين في “نظرية الألعاب” من أهم النماذج التي تفسر سوق الأسهم، إذ يتخذ كل طرف قراره دون معرفة قرار الطرف الآخر، على الرغم من تأثرهما ببعضهما بعضًا.
ومن منظور عقلاني، يجد كل سجين أن “الاعتراف” هو الخيار الأكثر أمانًا؛ لأنه يضعه أمام احتمالين: إما الحرية أو عقوبة متوسطة، بينما يجعله الصمت عرضةً للعقوبة القصوى أو لعقوبة مخففة، وذلك بغض النظر عمّا سيفعله الآخر.
والمفارقة تكمن في أن هذا السعي الفردي نحو المصلحة يقود الطرفين حتمًا إلى توازن ناش (Nash Equilibrium)، ويُقصَد به تلك النقطة التي يرى فيها كل لاعب أن من مصلحته الإبقاء على سلوكه دون تغيير؛ لأن تغيير سلوكه سيستتبع تغيير سلوك اللاعبين الآخرين، بما يؤدي إلى تضررهم جميعًا. أي أنه توازن قائم على الحذر من الطرف الآخر.
ويمكن القول إن السوق الأمريكية تُشكّل حاليًا حالة واضحة لتوازن ناش؛ فعلى الرغم من التوترات الجيوسياسية العالمية المتصاعدة، والقلق بشأن الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة نفسها، والخوف من التضخم وفقاعة الذكاء الاصطناعي، تبقى الأسواق منتعشة.
مصالح مشتركة
ويرجع ذلك إلى أن جميع اللاعبين تدفعهم مصلحة مشتركة في إبقاء السوق عند هذا المستوى.
فأولًا، تُشير التقديرات الحالية إلى أن إجمالي ثروات الأسر الأمريكية المرتبطة بسوق الأسهم (سواء بشكل مباشر أو عبر صناديق التقاعد أو الصناديق الاستثمارية) يتجاوز 50 تريليون دولار، من أصل قيمة سوقية تتجاوز 70 تريليون دولار، إذ بلغ التقدير الأخير في يناير 2026 نحو 69 تريليون دولار قبل أن يتجاوز السوق مستوى 7000 نقطة.
ويمثل هذا الرقم المحرك الأساسي للاستهلاك؛ لذا هناك حرص على الحفاظ عليه. وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن كل انخفاض بمقدار دولار واحد في ثروة الأسهم يؤدي إلى تراجع في الإنفاق الاستهلاكي بنحو 3 إلى 5 سنتات.

وبناءً على ذلك، فإن هبوطًا بنسبة 20% في السوق يعني تبخر نحو 10 تريليونات دولار من القيمة السوقية لسوق الأسهم الأمريكية، مما قد يقلص الإنفاق الاستهلاكي بمقدار يتراوح بين 300 و500 مليار دولار سنويًا، وهو ما يكفي لدفع الاقتصاد نحو ركود شديد.
وللحفاظ على توازن ناش في الأسواق، يضخ المستثمرون عبر خطط التقاعد ما يقرب من 200 مليار دولار سنويًا كتدفقات آلية ومستمرة في صناديق المؤشرات، وهذه الأموال تعمل على الحد من التراجعات السعرية الحادة عند حدوث موجات بيع.
بالإضافة إلى ذلك، تستمر الشركات المدرجة في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” في تنفيذ برامج إعادة شراء الأسهم بمعدلات تتراوح بين 900 مليار دولار وتريليون دولار سنويًا، مما يقلل المعروض من الأسهم ويدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى في حال تراجع المؤشرات الاقتصادية العامة.
لعبة استراتيجية غير تعاونية
ولذلك، وعلى الرغم من القلق حيال تضخم الأسعار، فإن مضاعف الربحية المستقبلي للمؤشر العام لا يزال يتحرك في نطاق يتراوح بين 20 و22 مرة.
ويبرر البعض ارتفاع هذه النسبة مقارنةً بالمتوسط التاريخي البالغ 16 مرة، بأن نمو أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى بنسب تتراوح بين 15% و20% سنويًا يبرر هذه العلاوة السعرية للمستثمرين.
وهذا التوازن الرقمي بين نمو الأرباح وضخ السيولة المؤسسية هو ما يمنع حدوث تراجع سعري حاد أو حتى “انفجار الفقاعة”، ويجعل الاستمرار في الصعود ضرورةً للحفاظ على استقرار المؤسسات التي تعتمد في ميزانياتها على هذه التقييمات.
لذا يمكن القول إن توازن ناش يظهر بوضوح في شاشات التداول في “وول ستريت”، حيث إن سوق الأسهم ليس مجرد تبادل للسلع (الأسهم)، بل هو لعبة استراتيجية غير تعاونية وفقًا لنظرية الألعاب (Non-cooperative Game)، إذ لا يشتري المستثمر السهم بناءً على قيمته الجوهرية فقط، بل بناءً على توقعه لكيفية تقييم الآخرين لهذا السهم مستقبلًا.

ففي الأسواق المالية، يظهر توازن ناش عندما يصل المشاركون إلى حالة من الاستقرار المتوتر؛ إذ يخشى كل طرف تغيير استراتيجيته — سواء عبر زيادة حجم السيولة، أو توسيع هوامش الربح، أو الخروج المؤقت من السوق — خوفًا من أن يستغل المنافسون هذا التحرك فورًا.
وهذا النوع من الاستقرار لا يقوم على الثقة، بل على الحذر المتبادل، وهو ما يفسر لماذا تبدو الأسواق هادئة ظاهريًا، بينما تكون في الواقع شديدة الحساسية لأي صدمة مفاجئة.
وتُظهر دراسة لجامعة “ستانفورد” أن أنماط التسعير والسيولة السائدة اليوم لا تعكس «توازنًا تنافسيًا مثاليًا» كما تفترضه النماذج التقليدية، بل تعكس توازنات ناش هشة تعتمد على المراقبة المستمرة لسلوك الآخرين، لا على القناعة بالقيمة الجوهرية وحدها.
دور صانع السوق
وهنا يلعب صانع السوق دور الوسيط الحيوي بين البائع والمشتري، وتتمثل مهمته الأساسية في توفير السيولة عبر تحديد سعري الشراء والبيع. غير أن هذا الدور، في جوهره، يمثل قرارًا استراتيجيًا مستمرًا؛ إذ يوازن كل صانع سوق بين رغبته في تعظيم الربح من خلال توسيع الفارق السعري، وخوفه من فقدان التدفقات لصالح منافسين يعرضون سعرًا أفضل.
وفي حالة توازن ناش، يستقر الفارق السعري عند مستوى لا يستطيع أي صانع سوق الانحراف عنه منفردًا دون أن تتدهور نتائجه؛ فالتوسيع المبالغ فيه يؤدي إلى فقدان العملاء، بينما التضييق المفرط يضغط على الربحية إلى مستويات غير مستدامة.
وتشير الدراسات إلى أن زيادة عدد صناع السوق لا تؤدي إلى تحسين جودة التسعير إلى ما لا نهاية؛ ففي الأسهم متوسطة السيولة، تؤدي زيادة المنافسة إلى خفض فروق الأسعار بنسبة تتراوح بين 20% و40%، وهو تحسن ملموس في كفاءة السوق.
لكن في الأسهم عالية السيولة، لا يتجاوز هذا التحسن 10%؛ لأن هذه الأدوات وصلت بالفعل إلى ما يُعرف بالحد الأدنى للتوازن السعري. بعد هذه النقطة، يصبح دخول لاعبين جدد غير ذي أثر يُذكر، ما يعني أن السوق بلغ توازن ناش جماعيًا ويصعب كسره دون تغيير جذري في التكنولوجيا أو القواعد التنظيمية.

وفي هذا الإطار، يمثل التداول عالي التردد التطبيق العملي الأكثر تطرفًا لنظرية الألعاب في الأسواق المالية. وهنا لا تُتخذ القرارات في دقائق أو ثوانٍ، بل في أجزاء من الثانية، عبر خوارزميات مصممة خصيصًا للبحث عن أفضل استجابة ممكنة لسلوك المنافسين.
ووفقًا لتقارير هيئة الأوراق المالية الأمريكية، يشكل التداول عالي التردد نحو 50% من حجم التداول في الأسواق الأمريكية، وتتراوح نسبته في أوروبا بين 24% و43%، ما يعني أن السوق يعيش في حالة تفاعل استراتيجي دائم، حيث يُعاد بناء توازن ناش آلاف المرات يوميًا.
وتشير بعض التقديرات إلى أن متوسط الربح في الصفقة الواحدة ضمن نظام التداول عالي التردد لا يتجاوز 0.002 دولار للسهم. وهذا الهامش الضئيل ليس ضعفًا في النموذج، بل هو دليل على أن السوق وصل إلى توازن ناش لحظي؛ فأي محاولة لزيادة الهامش تُقابل فورًا بإقصاء الخوارزمية الأبطأ أو الأعلى تكلفة.
وفي النهاية، لا ينتج توازن ناش سعرًا مثاليًا، بل ينتج سعرًا لا يستطيع أحد تحديده منفردًا، وهو بالضبط ما يجعل سوق الأسهم — رغم كل تناقضاته — قادرًا على الاستمرار.
إلا أن توازن ناش يختل إذا قرر طرف ما أنه لم يعد من مصلحته الاستمرار في هذه “اللعبة”. وإذا كان هذا الطرف مهمًا أو مؤثرًا، كصندوق استثماري كبير أو بنك مركزي رئيسي، فإن كثيرًا من المعادلات تتغير، ويبدأ السوق في البحث عن توازن جديد، وسيكون مصحوبًا بتغيرات جذرية.
المصادر: أرقام- دراسة “ Game Theory in Financial Markets” لجامعة ستانفورد- هيئة الأوراق المالية الأمريكية- -فاينانشيال تايمز- “تي.إيه.بي.بي جروب”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
