التخطي إلى المحتوى

سياحة تسويق الظواهر السلبية

ماذا لو كانت الظاهرة التي يشتكي منها الناس هي نفسها ما تدفع الآخرين للسفر آلاف الكيلومترات لتجربتها؟

 

ففي عالم تُبنى فيه السياحة غالبًا على الشمس والبحار الصافية والسماء الزرقاء، تقدم العديد من الوجهات مفارقة لافتة، إذ تتحول الظواهر السلبية التي تعاني منها إلى وسيلة تجذب السائحين.

 

 

فالسماء الرمادية، والأمطار المستمرة، والطقس غير المتوقع في بريطانيا على سبيل المثال، لم تدفع الزوار للابتعاد عنها، بل أصبحت جزءًا من جاذبيتها.

 

تعكس هذه الظاهرة اتجاهًا اقتصاديًا أوسع، حيث تتم إعادة تقديم الظروف “السلبية” -سواء كانت مناخية أو صناعية أو حتى مواقع مرتبطة بالكوارث- على أنها تجارب تستحق الدفع.

 

ومع ذلك، فإن هذه المعادلة تواجه تحديات جديدة، خاصة مع ارتفاع تكاليف السفر عالميًا نتيجة زيادة أسعار وقود الطائرات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

 

اقتصاد المطر.. من مصدر إزعاج لعنصر جذب

 

لطالما ارتبطت بريطانيا في الوعي العالمي بصورة البلد الممطر باستمرار، رغم أن البيانات المناخية تقدم صورة أكثر توازنًا.

 

فالمملكة المتحدة لا تُعد من أكثر دول العالم هطولًا للأمطار، إذ تحتل مرتبة متأخرة نسبيًا (حوالي المرتبة 83 عالميًا) من حيث متوسط الهطول السنوي، خلف دول مثل كولومبيا ونيوزيلندا. لكن ما يميزها هو تكرار المطر وعدم إمكانية التنبؤ به.

 

هذا النمط المناخي شكّل العديد من الصناعات والسلوكيات الاستهلاكية.

 

على سبيل المثال، لا تزال شركات مثل شركة فوكس أمبريلاز، التي تأسست عام 1868، تنتج ما بين 20 إلى 25 ألف مظلة سنويًا، ويشتريها السياح باعتبارها جزءًا من “التجربة البريطانية الأصيلة”، وهكذا يتحول منتج عادي بسيط إلى رمز ثقافي.

 

كذلك، نجحت دار الأزياء بربري في بناء هوية عالمية قائمة على الملابس المقاومة للمطر، وعلى رأسها المعاطف الشهيرة (ترنتش كوتس)، التي أصبحت رمزًا للأناقة البريطانية، وظهرت بقوة في فعاليات مثل أسبوع الموضة في لندن.

 

حتى الفعاليات الكبرى تأقلمت مع المطر، مثل بطولة ويمبلدون للتنس، حيث أصبحت التوقفات المفاجئة بسبب الأمطار جزءًا من هوية البطولة، بل تعد عنصرًا من عناصر سحرها.

 

 

فالسياح، خصوصًا القادمين من مناطق ذات طقس مستقر، ينجذبون إلى هذه التجربة المختلفة، حيث لا تعني زيارة بريطانيا مشاهدة بعض المعالم البارزة فحسب، بل أيضًا معايشة نمط حياة تشكّل عبر قرون من التكيف مع الطقس.

 

ورغم تحديات الظواهر الجوية في بريطانيا، فإن أحدث البيانات الرسمية تشير إلى أنها استعادت زخمها السياحي بشكل واضح بعد جائحة كورونا.

 

وبلغ عدد الزوار الدوليين إلى المملكة المتحدة نحو 42.6 مليون زائر في عام 2024، بإنفاق إجمالي يصل إلى 32.5 مليار جنيه إسترليني (40.6 مليار دولار أمريكي)، وهو مستوى قريب جدًا من مستويات ما قبل الجائحة.

 

وتشير التقديرات إلى أن عدد الزوار بلغ 43.6 مليون زائر في 2025 مع إنفاق يبلغ 33.4 مليار جنيه إسترليني (41.7 مليار دولار أمريكي)، وسط توقعات بأن يرتفع إلى 45.5 مليون زائر في 2026.

 

تحويل الضعف إلى هوية

 

تُظهر تجربة بريطانيا كيف يمكن تحويل ما يُعتبر نقطة ضعف إلى عنصر قوة اقتصادية وثقافية، فبدلًا من منافسة الوجهات المشمسة، اختارت أن تبرز اختلافها، وتبني عليه قصة متكاملة تجذب الزوار الباحثين عن الأصالة.

 

ولا تقتصر ظاهرة تحويل العوامل السلبية إلى عناصر جذب على بريطانيا وحدها، بل تمتد إلى نماذج دولية متعددة نجحت في إعادة صياغة الأزمات والمخاطر كمنتجات سياحية فريدة، فيما يُعرف بسياحة المخاطر أو “السياحة السوداء”.

 

هذه النماذج تكشف كيف يمكن للوجهات أن تعيد توظيف تاريخها أو طبيعتها القاسية لتقديم تجارب استثنائية تجذب نوعًا مختلفًا من السياح الباحثين عن العمق، لا الرفاهية التقليدية فقط.

 

ففي أيسلندا، على سبيل المثال، تحولت البراكين النشطة من تهديد مباشر — كما حدث خلال ثوران بركان إيافيالايوكول عام 2010 الذي عطّل حركة الطيران في أوروبا — إلى عنصر جذب رئيسي يدعم الاقتصاد.

 

وبحسب بيانات مجلس السياحة الأيسلندي، شهدت البلاد طفرة سياحية ملحوظة في السنوات التالية.

 

 

وفي عام 2023، جذب ثوران بركان “ليتلي-هروتور” آلاف الزوار خلال أسابيع قليلة، فيما أصبحت السياحة تمثل نحو 8.1% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس كيف تحولت البلاد إلى علامة سياحية عالمية قائمة على المخاطر الطبيعية نفسها.

 

أما في أوكرانيا، فقد أصبحت منطقة تشيرنوبل من أبرز نماذج سياحة ما بعد الكارثة، فبعد عقود من الحادث النووي، تحولت المنطقة إلى وجهة يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم.

 

ووفقًا لبيانات الوكالة الحكومية الأوكرانية لإدارة المنطقة، استقبلت المنطقة أكثر من 124 ألف زائر دولي في عام 2019، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق، وهو ما يعكس كيف يمكن للذاكرة المأساوية أن تتحول إلى تجربة تعليمية وسياحية في آنٍ واحد.

 

وفي اليابان، تقدم مدينة ميناماتا نموذجًا مختلفًا يقوم على تحويل كارثة بيئية إلى منصة للتعلم والاستدامة.

 

فبعد عقود من التلوث الصناعي الذي تسبب في ما عُرف بمرض ميناماتا نتيجة التسمم بالزئبق، أعادت المدينة بناء هويتها كمركز للتوعية البيئية.

 

ويستقبل متحف مرض ميناماتا عشرات الآلاف من الطلاب والباحثين سنويًا، حيث يتم دمج المأساة ضمن ما يُعرف بسياحة التعلم، وهو ما ساهم في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز صورة المدينة عالميًا كنموذج للتعافي البيئي.

 

وفي قارة إفريقيا، تقدم ناميبيا مثالًا لافتًا من خلال “ساحل الهياكل العظمية” (سكليتون كوست)، وهو أحد أكثر الأماكن قسوة وجفافًا في العالم، حيث تنتشر حطام السفن وعظام الحيتان.

 

ورغم هذه الظروف القاسية، نجحت ناميبيا في تسويق المنطقة كوجهة فاخرة لعشاق العزلة والطبيعة البرية.

 

وتشير تقارير وزارة البيئة والغابات والسياحة في ناميبيا إلى أن هذه المنطقة تجذب شريحة من السياح ذوي الإنفاق المرتفع، حيث تتجاوز تكلفة الإقامة في بعض المخيمات البيئية 1000 دولار أمريكي لليلة الواحدة، ما يعكس قدرة الوجهة على تحويل القسوة إلى قيمة اقتصادية.

 

أما رواندا، فقدمت نموذجًا إنسانيًا فريدًا في تحويل ذكرى الإبادة الجماعية عام 1994 إلى تجربة سياحية قائمة على الوعي والمصالحة.

 

 

فقد أصبح نصب كيغالي التذكاري للإبادة الجماعية محطة أساسية للزوار، حيث يتم تقديم سرد تاريخي يعكس رحلة التعافي الوطني، مع دمج هذه الزيارات التاريخية ضمن تجربة سياحية أوسع تشمل الحياة البرية.

 

ارتفاع التكاليف وتغير أنماط السفر

 

رغم نجاح بعض الدول في استثمار بعض الظواهر السلبية لديها، فإن قطاع السياحة العالمي يواجه تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع أسعار وقود الطائرات نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، خاصة في ظل الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

 

ويرتبط سعر وقود الطائرات بشكل مباشر بأسعار النفط العالمية، التي شهدت تقلبات حادة بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات.

 

ووفقًا للاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، يمثل الوقود نحو 30% من تكاليف تشغيل شركات الطيران، وقد تتجاوز الأسعار 100 دولار للبرميل المكافئ في أوقات التوتر.

 

وتُظهر أمثلة واقعية حجم التأثير، حيث أشارت شركات مثل دلتا إيرلاينز إلى تكبد مئات الملايين من الدولارات كتكاليف إضافية للوقود خلال فترات ارتفاع الأسعار، ما يدفع الشركات إلى رفع أسعار التذاكر أو فرض رسوم إضافية.

 

وبحسب منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)، فإن ارتفاع تكاليف السفر قد يؤدي إلى تراجع الطلب، خاصة على الرحلات الطويلة.

 

هذا الوضع يخلق تحديات وفرصًا في آنٍ واحد، فمن ناحية، قد يتراجع عدد السياح الدوليين، ومن ناحية أخرى، قد تستفيد بعض الوجهات من قربها الجغرافي، حيث قد يفضل المسافرون الرحلات القصيرة الأقل تكلفة.

 

وتعكس مثل تلك التجارب السياحية؛ أن الظواهر السلبية يمكن إعادة توظيفها إذا تم دمجها ضمن سردية قوية ومقنعة، وفي ظل المنافسة الشديدة في قطاع السياحة العالمي، قد يكون تحويل العيوب إلى مزايا هو العامل الحاسم.

 

في النهاية، قد لا تنجح الوجهات السياحية في جذب السياحة رغم الظواهر السلبية التي تعاني منها… بل تنجح في بعض الأحيان بفضل تلك الظواهر.

 

المصادر: سي إن إن- مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة- هيئة السياحة البريطانية- الاتحاد الدولي للنقل الجوي- منظمة الطيران المدني الدولي- شركة دلتا إيرلاينز- دار الأزياء بربري- شركة فوكس أمبريلاز- وزارة البيئة اليابانية

للمزيد من المقالات

اضغط هنا