
في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في خريطة الاستثمار بمصر، بدأت الدولة في تدشين جيل جديد من المناطق الاستثمارية، يقوم على السرعة والمرونة وتكامل الخدمات، ليعيد رسم العلاقة بين المستثمر والإجراءات الحكومية.
البداية جاءت مع موافقة مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، برئاسة الدكتور محمد فريد، على إنشاء أول منطقة استثمارية من نوعها تضم دائرة جمركية داخل المشروع، لصالح شركة أورايون للتطوير العمراني، إحدى شركات مجموعة طلعت مصطفى القابضة، لتنفيذ مشروع “The Spine” في مدينة القاهرة الجديدة.
هذا المشروع، الذي يُعد من أضخم المشروعات العمرانية في مصر، لا يقتصر على كونه تجمعًا سكنيًا أو إداريًا، بل يمثل نموذجًا لمدينة متكاملة، تضم 165 برجًا متنوع الاستخدامات، على مساحة تتجاوز 500 فدان داخل “مدينتي”، باستثمارات تُقدّر بنحو 1.4 تريليون جنيه، مع عوائد متوقعة ضخمة للاقتصاد، من بينها مساهمة ضريبية تُقدّر بأكثر من 800 مليار جنيه.
لكن الفكرة الأهم لا تكمن فقط في حجم المشروع، بل في “النظام” الذي يُدار به. فوجود دائرة جمركية داخل المنطقة الاستثمارية، إلى جانب مكتب تنفيذي لهيئة الاستثمار، يعني أن المستثمر لن يضطر إلى التنقل بين الجهات المختلفة، بل سيجد كل ما يحتاجه من تأسيس وترخيص وتشغيل وتصدير واستيراد داخل كيان واحد.
هذه الصيغة الجديدة، التي تُعرف بـ(Special Investment Zone – SIZ)، تمثل مزيجًا متطورًا بين المناطق الاستثمارية والمناطق الحرة، مع منح المشروع قدرًا أكبر من الاستقلالية الإدارية، بما يسمح بسرعة اتخاذ القرار وتقليل البيروقراطية، وهي عوامل طالما كانت حاسمة في جذب الاستثمارات الكبرى.
الدكتور محمد فريد أكد أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية أشمل لتطوير مناخ الاستثمار، عبر تفعيل أدوات قانون الاستثمار وتقديم نماذج أكثر مرونة وتنافسية، مشيرًا إلى أن الدولة تستهدف خلق بيئة أعمال بمعايير عالمية، قادرة على استيعاب المشروعات الضخمة وتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي للاستثمار.
ومن جانبه، اعتبر رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى أن المشروع يمثل رسالة ثقة قوية في الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن حجم الاستثمارات يعكس إيمان القطاع الخاص بقدرة السوق المصري على النمو، خاصة في ظل الدعم الحكومي وتطوير آليات الاستثمار.
وأشار إلى أن المشروع لا يستهدف فقط التنمية العمرانية، بل يسعى لجذب علامات تجارية عالمية، وتوفير نحو 55 ألف فرصة عمل مباشرة، على مدار فترة تنفيذه التي تمتد إلى 14 عامًا.
ومع هذا التوجه، تبدو مصر وكأنها تفتح صفحة جديدة في إدارة الاستثمار، لا تعتمد فقط على تقديم الأراضي أو الحوافز، بل على خلق “منظومة متكاملة” تُدار بعقلية المدن الذكية، حيث تختفي التعقيدات، وتُختصر الإجراءات، ويصبح المشروع نفسه مركزًا اقتصاديًا قائمًا بذاته.
