الاجتماع الأخير
مع اقتراب انتهاء ولاية “جيروم باول” كرئيس للاحتياطي الفيدرالي في منتصف مايو، تتجه الأنظار إلى حصيلة واحدة من أكثر الفترات تقلبًا في تاريخ السياسة النقدية الأمريكية، حيث تداخلت صدمات عالمية حادة مع تحولات سريعة في مسار الاقتصاد.
ومنذ توليه زمام الأمور في فبراير 2018، واجه “باول” سلسلة من التحديات المعقدة، لكن اللافت أن بدايته في رئاسة الفيدرالي كنهايته، حيث واجه ضغوطًا من الرئيس “دونالد ترامب” في الولايتين الأولى والثانية، فما حصيلة فترة “باول”؟

كيف كانت البداية؟
– عُين “باول” رئيسًا للفيدرالي في الخامس من فبراير 2018 عبر ترشيح من “ترامب” ليخلف “جانيت يلين”، وجاءت المصادقة على تعيينه بأغلبية واسعة داخل مجلس الشيوخ، في إشارة واضحة إلى توافق سياسي على اختيار رئيس الفيدرالي.
– تسلم “باول” المنصب في وقت بدأ فيه الفيدرالي تطبيع السياسة النقدية، بعد سنوات من التحفيز غير المسبوق الذي أعقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وسط أسعار فائدة متدنية عند 1.25%.
– لكن سياسة “باول” في رفع أسعار الفائدة عقب توليه قيادة الفيدرالي لم تُعجب “ترامب” في ولايته الأولى، حيث شن الرئيس حملة ضغط علنية غير مسبوقة متهمًا “باول” بمحاولة تقويض أجندته الاقتصادية عبر رفع تكاليف الاقتراض.
– لم تستمر سياسة رفع الفائدة طويلًا، إذ صُدمت الأسواق العالمية بجائحة كورونا، ما استدعى تحولًا سريعًا في توجهات الفيدرالي، حيث خفّض أسعار الفائدة قرب الصفر، وأعاد إطلاق برامج التحفيز لدعم الاقتصاد.
– من أبرز الأدوات التي استخدمها الفيدرالي لتحفيز الاقتصاد في هذه الفترة، هو تعزيز برامج مشتريات السندات وتضخيم الميزانية العمومية، لتصل إلى 7 تريليونات دولار في يونيو 2020، مقارنة بنحو 3.8 تريليون دولار في سبتمبر 2019.

عودة التضخم
– جراء سياسات التيسير الكمي خلال جائحة كورونا، ارتفع معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة منذ فبراير 2021 بسبب اختناقات سلاسل التوريد، ليصل إلى 7% في ديسمبر من العام ذاته.
– تبنّى الاحتياطي الفيدرالي بقيادة “باول” حينها رؤية مفادها أن هذا الارتفاع مؤقت، ما أرجأ التحرك النقدي في مواجهة موجة الأسعار، ولكن مع مرور الوقت، اتضح أن التضخم أكثر رسوخًا مما كان متوقعًا، خاصة مع اتساع نطاق زيادات الأسعار لتشمل الغذاء والإيجارات.
– فاقم هذه الضغوط التضخمية اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، ليتحرك الفيدرالي عبر رفع أسعار الفائدة في مارس، وبسبب هذا التحرك المتأخر ارتفع معدل التضخم إلى ذروته في يونيو عند 9.1%.
– هذا التأخر في الاستجابة فرض على الفيدرالي لاحقًا التحرك بوتيرة أكثر عنفًا، حيث انتقل من سياسة التيسير إلى أسرع دورة تشديد نقدي منذ عقود، عبر زيادات كبيرة ومتتالية في أسعار الفائدة لتصل في منتصف 2023 إلى 5.5%.

– غير أن هذا التحول السريع جاء بتكلفة، إذ زاد من مخاطر إبطاء الاقتصاد ورفع احتمالات الركود، في حين أقر عدد من مسؤولي الفيدرالي بأن التحرك كان أبطأ من اللازم، وهو ما تسبب في موجة التشديد النقدي التي استمرت حتى خفض الفائدة في سبتمبر 2024.
– على الرغم من هذه المخاطر، فإن السياسة النقدية المتشددة نجحت في خفض التضخم السنوي سريعًا إلى 3% في يونيو 2023، لتظل قرب هذا المستوى حتى فبراير 2026 عندما وصلت إلى 2.4%.
التاريخ يعيد نفسه
– مع عودة “ترامب” إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، عادت الضغوط السياسية على “جيروم باول” بشكل أكثر حدة، حيث كثّف الرئيس انتقاداته بسبب إبقاء الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة.
– رغم هذه الضغوط، أبقى “باول” على نهجه المتحفظ متجنبًا الانخراط في مواجهة مباشرة مع “ترامب”، ولم يخفض الفائدة سوى 3 مرات مع نهاية 2025، لتأخذ الضغوط منحنىً أكثر حدة في 2026 عقب فتح القضاء الأمريكي تحقيقًا مع “باول” على إثر تكاليف تجديد مباني البنك.

– ليحافظ “باول” على أسعار الفائدة عند مستوى 3.75% خلال أول اجتماعين من العام الجاري، في ظل مخاوف تفاقم الضغوط التضخمية على إثر التوترات الجيوسياسية، حيث ارتفع معدل التضخم السنوي في مارس 2026 إلى 3.3%.
– في المحصلة، تعكس تجربة “باول” على رأس الفيدرالي نهجًا متحفظًا وحذرًا، فبين نجاحه في احتواء تداعيات جائحة كورونا، وتأخره في كبح جماح التضخم، يبقى “باول” نموذجًا لصانع قرار تحرك تحت ضغوط استثنائية ومتقلبة.
-مععقد آخر اجتماع للجنة السياسة النقدية بقيادة “باول”،هذا الأسبوع، يبدو أن الاقتصاد الأمريكي عند مفترق طرق، بين تقلبات في السياسة التجارية وضغوط تضخمية،فهل نجح “باول” في قيادة المركزي الأمريكي؟ أم أن تكلفة التأخر ستظل النقطة الأبرز في تقييم إرثه؟
المصادر: أرقام – سي إن إن – الاحتياطي الفيدرالي – نيويورك تايمز – سي إن بي سي
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
