لم يأتنا النبأ التالي: المناقلة السورية اللبنانية
كم هي جريحة هذه الخريطة ومدماة. انهالت عليها مداميك التاريخ فأحدثت فيها ما أحدثته، وبقيت جريحة تحاول أن تعيش، تعيش، تعيش. تشهد منطقة الشام في المرحلة الراهنة حالة من التحوّل العميق، توحي بأن ما كان يُعدّ ثابتاً في الماضي قد لا يبقى كذلك في المستقبل. فالحدود السياسية التي رُسمت على الخرائط تبدو مستقرة نظرياً، لكنها على أرض الواقع تخضع لضغوط وتحديات متزايدة، في ظل تغيّرات إقليمية ودولية متسارعة. هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل ثلاث مناطق مجاورة لإسرائيل، هي لبنان وسوريا وفلسطين، وكيف يمكن أن تتأثر بالتحوّلات الجارية.في سوريا، لا تزال آثار النزاع الممتد منذ سنوات تلقي بظلالها على وحدة الدولة وسيادتها. ومع تعدد القوى الفاعلة على الأرض، تبرز مخاوف من إعادة تشكيل مناطق النفوذ بما يتجاوز الإطار التقليدي للدولة الوطنية. بعض التطورات الميدانية تشير إلى احتمالات فرض وقائع جديدة، سواء عبر ترتيبات أمنية أو تفاهمات غير معلنة، ما قد يؤدي إلى إعادة صياغة جزئية للخريطة السياسية.أما في لبنان، فإن الوضع يبدو أكثر هشاشة. فالأزمة الاقتصادية العميقة، إلى جانب التوترات الأمنية، تجعل البلاد عرضة لتأثيرات خارجية متزايدة. ومع تصاعد العمليات العسكرية في بعض المناطق، يبرز القلق من انزلاق الأوضاع نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تشمل تغييرات في موازين القوى الداخلية أو حتى في طبيعة السيطرة على بعض المناطق الحيوية، خصوصاً في العاصمة بيروت ومحيطها.وفي فلسطين، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الاعتبارات السياسية والأمنية مع واقع ميداني متغيّر باستمرار. التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية تعكس حالة من عدم الاستقرار المستمر، وتطرح تساؤلات حول مستقبل الترتيبات السياسية القائمة، وإمكانية فرض وقائع جديدة على الأرض.تُظهر هذه المؤشرات مجتمعة أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة من إعادة الترتيب، ليس بالضرورة عبر تغييرات رسمية في الحدود، بل من خلال فرض وقائع ميدانية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، يوضح هنري كيسنجر في كتابه إنهاء الحرب الفيتنامية أن الحروب، وإن بدأت بأهداف سياسية واضحة، فإن مساراتها غالباً ما تتعقد بفعل عوامل متعددة، لتنتهي بنتائج لا تعكس بالضرورة ما خُطط لها في البداية.ويبدو أن التحدي الأكبر أمام دول الشام يتمثّل في كيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية بحكمة. فبدل الانخراط في مغامرات غير محسوبة، قد يكون من الأجدى التركيز على الحفاظ على الاستقرار القائم، وتعزيز المسارات الدبلوماسية، والسعي إلى تقليل الخسائر في بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
