التخطي إلى المحتوى

إلى متى تبقى إيران أسيرة أوهامها؟ – أخبار السعودية

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

في لحظات الامتحان الحاسمة التي يشهدها التاريخ، حيث تتجلى حقيقة الأنظمة أمام مرآة الواقع البارد، يقف النظام الإيراني اليوم عارياً أمام أعين العالم. ما زال يبني فخره على أوراق يدَّعي أنها درعٌ منيع يقيه أقسى الضربات، غير أن ربيع 2026 كشف أنها ليست إلا جدراناً ورقية تتهاوى عند أول اختبار حقيقي. ليست هذه قوةً بنّاءة، بل هي اعترافٌ صارخٌ بعجزٍ عن تشكيل دولة عصرية متماسكة، قادرة على الاندماج في محيطها الإقليمي والدولي.

أولى هذه الأوراق «الدفاع الفسيفسائي» الذي رسمه اللواء محمد علي جعفري، ثم أُعيد تنظيم الحرس الثوري إلى 31 قيادة إقليمية شبه مستقلة. استلهم النموذج دروس حرب إيران-العراق في الاستنزاف، واستفاد أعمق من سقوط صدام حسين السريع عام 2003 حين انهار الجيش المركزي بضربة واحدة. لكن هذه «المرونة» التي أُريد لها أن تكون حصناً تحولت إلى خطأ استراتيجي كارثي. فقدان السيطرة المركزية أنتج قرارات عشوائية أثارت عدواناً غير مبرر على دول الخليج، وأزمات دبلوماسية عميقة مع الجيران لن تُمحى آثارها الوخيمة أبداً. ما سُمّي صموداً أصبح تفتتاً في التماسك؛ فالوحدات المستقلة تستهلك مواردها بسرعة وتفتقر إلى التنسيق الذي يحوّل العمل إلى تأثير حقيقي. ليس حلاً مبتكراً، بل تأجيلاً أنيقاً لانهيار محتوم.

أما محاولة فرض «نقطة التحصيل» على مضيق هرمز، فقد تحولت من رهان استراتيجي إلى كارثة اقتصادية مباشرة. انهار عدد السفن العابرة من أكثر من 140 يومياً إلى أقل من 10 في أبريل. أصر النظام على تفتيش السفن وفرض رسوم انتقالية.

ثم جاءت الضربة القاضية: حصار بحري أمريكي شامل فرضه الرئيس دونالد ترمب بدءاً من 13 أبريل. في أول 36 ساعة فقط، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن 16 سفينة منعت من العبور وأعادت الدوران للعودة إلى موانئ إيرانية في خليج عُمان – سفن كانت تغادر محملة بالصادرات، بينما عبرت 20 سفينة تجارية امتثلت لتوجيهات القوات الأمريكية. رسم الحصار خطاً أحمر يطوق كل الموانئ الإيرانية من الخليج العربي حتى خليج عُمان، بما في ذلك ميناء جاسك وخط أنابيب غورة-جاسك الاحتياطي. كان هذا الميناء وخط الأنابيب يمثلان الورقة الاستراتيجية الأخيرة لإيران، الطريق البديل الذي بنته لتجاوز مضيق هرمز وتصدير نفطها بأمان نسبي، فأصبح اليوم محاصراً تماماً. وحده هذا الحصار يقدر أن يُكلف إيران خسائر يومية تصل إلى 435 مليون دولار أمريكي في النشاط الاقتصادي، بما في ذلك حوالى 150 مليون دولار من عائدات النفط وحدها. إيران تضررت، إذ يعتمد اقتصادها على تصدير نفطها عبر هذا الشريان. فتحول الضعف البحري إلى خنق ذاتي كامل، يسرّع النزيف ويهدد بإلحاق أضرار دائمة بمكامن النفط.

وشبكة الوكلاء التي طالما أُطلق عليها «محور المقاومة» لم تعد عمقاً استراتيجياً، بل عبئاً ثقيلاً يثقل كاهل طهران ويُفشل أي تنسيق مركزي. انقطاع التمويل واستهداف القيادات دفع هذه الجماعات إلى التصرف بمصالح ذاتية متفرقة. في لبنان، يتجلى الفشل بوضوح: استخدام حزب الله لزعزعة إسرائيل والمنطقة لم يعد يؤتي ثماره. تعرض الحزب لتدمير شديد خلال العامين الماضيين، ففقد قياداته وقدراته العسكرية وخسر جزءاً كبيراً من شعبيته حتى في أوساط مؤيديه. واليوم تُجري الدولة اللبنانية حواراً مباشراً تاريخياً مع إسرائيل في واشنطن برعاية أمريكية – لأول مرة منذ عقود – رغم معارضة حزب الله الشديدة. يركز الحوار على نزع سلاحه، وتدعم الأطراف الرئيسية هذا التوجه بقوة. هكذا يُعزل حزب الله تدريجياً، ويفقد دوره كذراع فعّالة لإيران. أما الحوثيون في اليمن فيحاولون التوفيق بين ولائهم الاسمي للمحور وبين الحفاظ على مصالحهم، حرصاً على مكاسبهم الداخلية. تحول «المحور» إذن إلى شعار فارغ، يكلف طهران غالياً ولا يمنحها نفوذاً يُذكر.

وترسانة الصواريخ والمسيّرات التي كانت تُقدم كدرع الردع الأساسي تعرّضت لضربات دقيقة أصابت أبرز مواقع الإنتاج في خوجير وشهرود وبارشين وحكيمية، إضافة إلى مئات نقاط الإطلاق. توقف الإنتاج، تآكل المخزون، وبقي ما لا يكفي لردع حقيقي أو استدامة.

أما البرنامج النووي – آخر أوراق الردع – فقد تعرض لضربات مدمرة في يونيو 2025 أصابت مراكز التخصيب الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان، مما ألحق أضراراً جسيمة أدت إلى تدمير واسع وتأخير البرنامج لسنوات عدة. وفي التصعيد الحالي، استمرت الضربات الدقيقة. وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مراراً وبصراحة تامة أن إيران لن يُسمح لها أبداً بامتلاك أسلحة نووية. ومع ذلك، يصر النظام في المفاوضات على أن يكون أي إيقاف للتخصيب لا يتجاوز 5 سنوات، بينما تطالب الولايات المتحدة بتجميد لـ20 عاماً. هذا في الوقت الذي حذر فيه محافظ البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي من أن الاقتصاد قد يستغرق 12 عاماً للتعافي، مع تضخم قد يصل إلى 180%.

قادة النظام يفاوضون ويحاربون من أجل القنبلة النووية، لا من أجل ازدهار شعبهم الذي يعيش في فقر مدقع، بينما ينظر إلى جيرانه في الخليج ينعمون بعالم مختلف تماماً. كل هذه الأوراق ليست دليلاً على القوة، بل إقرار بالعجز عن بناء دولة حقيقية ذات نفوذ مشروع وقدرة على البقاء.

يُقدم التاريخ دروساً بليغة من جارين قريبين. بنى صدام حسين استراتيجيته على قوى متفرقة وصواريخ وهمية وشبكات وكلاء، فراهن على بقائه فخاب. واعتمدت كوريا الشمالية على الترسانة النووية والانعزال، فأدى ذلك إلى عزلة تامة وانهيار اقتصادي. صاغت إيران دفاعها الفسيفسائي لتتجنب مصير صدام، لكن الأوراق ذاتها تكشف اليوم هشاشتها الجوهرية. الاستراتيجيات القائمة على التجزئة والوكلاء والتهديد الوهمي لا تحقق النصر ولا تضمن البقاء.

وفي حال توجه فيه الوفد الإيراني المفاوض إلى إسلام أباد لجولة ثانية، برعاية باكستان، فإن المفاوضات القادمة لن تشبه بأي حال مفاوضات جنيف السابقة. يد إيران قد انكشفت تماماً، ولن تستطيع بعد اليوم خداع أحد أو إيهامه بأوراق وهمية. فإن النصيحة الصادقة للمفاوضين الإيرانيين هي: لا تضيعوا هذه الفرصة التاريخية في الرهان على أوراق هشة لم تعد تخدع أحداً. أمامكم خيار مصيري واضح: إما أن تكتبوا صفحة جديدة من تاريخ إيران بجرأة وحكمة، فتخرجوها من دائرة الظلام وتعيدوا إيقاظها دولة مزدهرة محترمة؛ وإما أن تغلقوا على شعبكم أبواب المستقبل وتدخلوه نفقاً أعمق وأشد حلكاً من ذي قبل.

اقلبوا الصفحة بحكمة، واستغلوا هذه اللحظة الفارقة لتمنحوا شعبكم ووطنكم ما يستحقه: ازدهاراً اقتصادياً مستداماً، رفاهية حقيقية، تقدماً علمياً واجتماعياً، وحياة كريمة مستقرة تشبه تلك التي حاولتم زعزعتها في دول الخليج. الأمن الحقيقي لا يُبنى على التهديد والوهم، بل على التعاون والاندماج في مجتمع إقليمي ودولي يضمن السلام والتقدم للجميع.

إيران ليست قوة إقليمية لا تُقهر، بل دولة ترفع عقيرتها بالتهديد لتخفي ضعفها الهيكلي، بينما ينهار بيتها الورقي بهدوء دامٍ أمام أعين عالم لم يعد يصدق الأوهام. في هذه الساعة المصيرية، هل ستختار إيران طريق الحكمة الذي يعيد لها مكانتها بين الأمم، أم ستظل أسيرة أوهامها حتى يبتلعها الزمن؟

*مدير التواصل الاستراتيجي والشراكات في مركز الدراسات الرقمي «Tomorrow’s Affairs

للمزيد من المقالات

اضغط هنا