التخطي إلى المحتوى

رحيل هابرماس «الخطاب التواصلي بين فخيّ السياسة والمركزيّة»


رحل أخيراً الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، وارتبط اسمه بتطوير نظرية نقدية للمجتمع المعاصر وتحليل الحداثة الغربية، ونقد بنيتها الفكرية والسياسية. ترك إرثاً من الجدالات السياسية والفكرية كان أهمها العقلانية التواصلية والديمقراطية بوصف الحوار نقطة مفصلية في بناء المجتمعات، فاتسمت فلسفته بطابع تحرّري، لكن هناك جانباً آخر في مشروعه الفكري لا يخلو من أثر المركزية الأوروبية، وافتراضية تفوق التجربة الغربية في إنتاج الوعي والمعايير، ما خلق جدلاً حول سقطات الفلسفة التحررية، والنزعة الاستعلائية المؤمنة بالتفوّق الفكري، ومما عمّق هذا النقد لهابرماس، تناوله لمشروع الحداثة في المجتمعات الغربية ومسار تطوّرها ضمن آلية تحليلية تستند في مرتكزاتها إلى تجربة الوعي الغربي؛ ما عدّه النقّاد حصراً كمثال لمرحلة أكثر تقدماً في التاريخ، وبهذا الميزان تصبح معياراً لتقييم الثقافات الأخرى، فكان في مرمى نقاد ما بعد الاستعمار على رأسهم ناقد الاستشراق إداورد سعيد، الأول يدافع عن كونية الحداثة، والثاني يفكّك الطابع الإمبريالي في الخطاب الحداثي الغربي، هابرماس يربط مسار العقلانية والحداثة التحررية، والفضاء العمومي الحديث بوجود معايير كونية للأخلاق والديمقراطية يربطها بالتجربة الغربية، متجاهلاً دور الاستعمار في تشكّل الفكر التحرّري، فالمعرفة مرتبطة بتاريخ الإمبريالية، ونظريته العقلانية لم تحلّل بنية المعرفة من خلال علاقتها بالهيمنة والتسلّط خارج جغرافيا الغرب، وإدوارد سعيد فكّك الخطابات الأكاديمية الغربية التي برّرت الاستقواء على الشرق، فتحليل هابرماس لتاريخ الحداثة يركّز على التنوير والمجتمع المدني وتطور المؤسسات في الغرب، ويتجاهل دور الاستعمار في تشكيل الحداثة الأوروبية نفسها، ففي حين انتقد الرأسمالية ودعا لتطوير وإكمال مشروع الحداثة، لم يتطرق في تحليله لإنتاج الوعي النقدي التحليلي لظاهرة الاستعمار وما أنتجته من أصوات قادمة من عالم آخر لم يلتفت إليه، فسعيد يرى أن أوروبا لم تبنِ حداثتها بمعزل عن العالم بل عبر التوسع الإمبريالي، وبذلك يدعو لتوسيع مسار التحليل النقدي من دون إغفال البعد الإمبريالي للحداثة الغربية، وينطلق سعيد من افتراضية أن النظام العالمي غير متكافئ بسبب التفاوت بالقوة والمعرفة جرّاء العلاقات الاستعمارية، لكنه يؤمن بحوار ثقافي عالمي، على عكس الحوار الذي يدعو إليه هابرماس إذ لا يمكن أن يكون متكافئاً. فمشروع تفكيك آليات الهيمنة متفاوت لا يحقق التكافؤ كاملاً على الرغم من تبنّي الدفاع عن الحرية والعدالة والحوار.دافع هابرماس عن التعددية والحوار والمساواة والاعتراف بحقوق الآخر، لكن المفاهيم الحوارية التي يتحدّث عنها نشأت أو تبدّت في هيكلتها ضمن سياق أوروبي، وكأنها تعطي معياراً ثابتاً لنسق فكري مقيّد جغرافياً وتاريخياً وثقافياً، وفرض نموذج حوار سياسي يقصي ويهمّش، فمفاهيم العقلانية والديمقراطية والتواصل، لا يمكن عزلها وفهمها عن سياقات ثقافية مختلفة ومتعددة، ناهيك أنه ختم حياته بالسقوط في فخ السياسة من خلال موقفه من الحرب على غزة، وهذا ما دفع للتساؤل عن إمكانية تأسيس عقلانية عالمية دون الوقوع في فخ التحيّزات والهيمنة الثقافية. لقد أثّر على مسار الفكر المعاصر بجدالات نقدية يتولّد عنها بالضرورة أبعاد أخرى يمكن من خلالها استنباط أدوات نقدية من سياق نظريته ذاتها نحو حوار عالمي مفتوح حول قيم ثقافية مشتركة عالمياً لتطوير الفعل التواصلي في الحرية والمساواة والعدالة لتنظيم العلاقات بين الشعوب، وتجديد نهوض المجتمع المدني والديمقراطي والعقل الحواري عربياً على أسس حكيمة وعقلانية لمتطلبات العصر، لا تغرق في المثاليات النظرية، أو تنغلق حول مسار نقدي لا يخرج عن الانزواء خلف متاريس الإشارة للهيمنة، أو إفراد سطور كجدار لا تُنبت الغيوم عليه برعماً، بل إن تفكيك ثقافة الهيمنة على شعوب تحت سلطة الكولونيالية الرقميّة والانبهار الثقافي لتكنولوجيا القوّة الناعمة والصارخة، ينبغي أن يكون مساره المعرفي لتنمية وتوجيه الفكر والنقد إلى حوار عالمي للثقافات، وبتعبير آخر: هل يمكننا تبنّي نظرية العقلانية التواصلية كمفهوم إنساني لتأسيس خطاب عقلاني محلّي ثم عالمي يتجاوز الحدود الحضارية؟

للمزيد من المقالات

اضغط هنا