عضلاتك مغشوشة

أعلنت قبل أيام وزارة الصحة أنها ضبطت، بالتنسيق مع هيئة الغذاء والدواء، عدداً من المدربين في صالات رياضية يروّجون ويبيعون أدوية هرمونية ومنتجات غير مرخّصة لإنقاص الوزن، وذلك بعد رصد نشاطهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتنفيذ عملية شراء سرية وتتبع مصادر تلك المنتجات. وأكدت الوزارة اتخاذ الإجراءات النظامية بحق المخالفين، محذّرة من المخاطر الصحية الجسيمة المرتبطة باستخدام هذه المواد، وداعية إلى الحصول على أي منتجات دوائية أو مكملات غذائية من مصادر موثوقة وتحت إشراف طبي مختص.ويأتي هذا التحرك الرقابي في وقت استغل فيه بعض العاملين في مراكز بناء الأجسام رغبة فئة من الشباب في التعضيل السريع، ما أدى إلى ابتعاد عدد من الصالات الرياضية عن أهدافها الأساسية المتمثلة في تعزيز اللياقة والصحة العامة. وقد أسهم هذا التحوّل في انتشار ممارسات غير آمنة تعتمد على منشطات ومواد محظورة تُسوَّق بوصفها حلولاً سريعة، رغم ما تنطوي عليه من أضرار قد تطال وظائف الجسم وتؤدي إلى مضاعفات خطيرة. وتؤكد الجهات الصحية، أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رقابة مستمرة ووعياً مجتمعياً يحول دون استغلال الشباب عبر منتجات مجهولة المصدر أو غير خاضعة للمعايير الطبية المعتمدة.وفي هذا السياق، ناقشت «عكاظ» القضية مع عدد من المتخصصين الطبيين والمدربين ومرتادي الصالات والجهات القانونية، حيث أجمع المختصون على أن انتشار هذه المواد يعود إلى ضعف الوعي الصحي، وسهولة الحصول على منتجات محظورة عبر قنوات غير رسمية، إضافة إلى الضغوط الاجتماعية التي تدفع بعض الشباب إلى البحث عن نتائج سريعة مهما كانت المخاطر. وأكد الأطباء أن الأضرار الناتجة عن هذه المواد قد تكون دائمة، وتشمل اضطرابات هرمونية، وتلفاً في الكبد والكلى، ومشكلات قلبية قد تظهر في سن مبكرة.ضحية للتعضيلويروي سلطان الزهراني، تجربته قائلاً: إنه وقع ضحية اندفاع شبابي نحو التعضيل السريع قبل أن يتورط في تبعات صحية مؤلمة، فيما يشير نواف العجمي، إلى تعرّضه لمضاعفات شملت ضعفاً عاماً ومشكلات صحية مثل الحصوات وارتفاع السكر، أما بدر العتيبي، فيؤكد أن ما بدأ بخطوة بسيطة انتهى بمعاناة طويلة امتدت لسنوات.وفي حديث سابق، كشف الشاعر عبدالرحمن الشمري، أنه ظل يتلقى العلاج من آثار الإبر الرياضية لمدة عام كامل، ولا يزال يخضع لمواعيد متابعة للتخلص من تبعاتها، مؤكداً أن التجربة جعلته يدرك أن لا شيء أجمل من الخِلقة الطبيعية التي خلق الله الإنسان عليها. واعتبر أن السعي إلى بناء الكتل العضلية بطرق غير آمنة هو نوع من العبث بالجسم، داعياً إلى الحذر من استخدام هذه المواد دون وعي، والالتزام بالإشراف الطبي الكامل عند التوجه إلى بناء الأجسام.الانزلاق خلف الأدويةوفي جانب آخر، حذّر مختصون عبر «عكاظ»، من الانزلاق خلف الأدوية والإبر التجميلية والمكملات الغذائية تحت ذريعة الحصول على نتائج سريعة، مؤكدين أن المخاطر الصحية قد تكون جسيمة ولا يمكن تجاوزها بسهولة، وأن الندم يأتي غالباً بعد فوات الأوان.الترويج لغير المرخصويؤكد استشاري جراحة الأوعية الدموية والقسطرة الدكتور حافظ البلوي، أن النصائح الصحية في عصر السرعة والسوشيال ميديا لم تعد تأتي من الطبيب، بل من شاشة الهاتف، وغالباً من أشخاص غير مختصين. وأوضح أن بعض الرياضيين والمدربين يروّجون لمكملات وأدوية غير مرخصة بوعود سريعة لبناء العضلات وخفض الوزن، بينما الواقع والنتائج على المدى البعيد تأتي عكس ذلك تماماً. وأضاف أن هذه المواد قد تعيق الجهاز القلبي الوعائي، وترفع ضغط الدم، وتزيد من لزوجة الدم، وتعطل إيقاع القلب، مما يعرّض المستخدم لخطر الجلطات، فضلاً عن تأثيرها على بطانة الأوعية الدموية وتسببها في التهابات دقيقة بمرور الوقت، كما قد تؤدي إلى إجهاد العضلات واختلال توازن مكوناتها، وصولاً إلى تلف أليافها نتيجة الجرعات العالية أو الاستخدام الحاد.وشدّد الدكتور البلوي، على أن النتائج السريعة قد تبدو مغرية، لكنها غالباً ما تأتي بتكلفة صحية عالية، مؤكداً أن الوعي هو خط الدفاع الأول، وأن الاستشارة الطبية ليست خياراً بل ضرورة.أدوية مجهولة المصدرمن جانبه، أكد استشاري طب الأسرة الدكتور وليد القاضي، أهمية ضبط الممارسات والسلوكيات الخاطئة في الأندية الرياضية، خصوصاً ما يتعلق بالمكملات الغذائية والأحماض الأمينية والمركبات التي يُزعم أنها تزيد الأداء أو تبني العضلات، رغم ما لها من مضار تبدأ بالتأثير على الجهاز الهضمي، وزيادة مقاومة الإنسولين، واحتمال الإصابة بالسكري، وتمتد إلى الجهاز العصبي والكلى، وتساءل الدكتور القاضي، عن مصادر الأدوية التي ضُبط مروجوها، مستغرباً انصياع البعض لترويج الأندية دون الرجوع إلى الصيدليات المعتمدة أو استشارة الأطباء المختصين. وأكد أن أقسام التغذية العلاجية وأطباء الأسرة يقدمون استشارات موثوقة يجب الاستفادة منها، محذراً من تلقي أي معلومات طبية من داخل الأندية الرياضية، لكون صرف الأدوية ليس من ضمن أنشطتها.الحذر من تراكم الدهونويؤكد مدرب كمال الأجسام سعد مستور الثبيتي، أن الرياضة تُعدّ ركناً أساسياً في توازن الإنسان الجسدي والنفسي، وأنها أسلوب حياة ينعكس على الصحة العامة والإنتاجية وصفاء الذهن. وحذّر من تراكم الدهون الزائدة التي تزيد احتمالية الإصابة بأمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، مشيراً إلى أن الرياضة وسيلة فعّالة للوقاية. وأضاف أن الرياضة تُنمّي الانضباط والثقة بالنفس، وأن توفير بيئة رياضية مناسبة ومدربين محترفين يسهم في تحقيق اللياقة دون أعباء مالية إضافية.وفي جانب بناء العضلات، أوضح أخصائي العلاج الطبيعي والمعدّ اللياقي عبدالرحمن بخاري، أن معايير الكلية الأمريكية للطب الرياضي (ACSM) تؤكد أن التدرج بالحمل الميكانيكي هو الأساس في تحفيز تخليق البروتين ونمو الألياف العضلية، وأن هذا النمو الطبيعي يضمن نتائج آمنة دون الحاجة إلى منشطات أو مكملات. وكشف أن الهرمونات تسبّب اختلالات حادة في الغدد الصماء وتضخم عضلة القلب وفشل الكبد، بينما تكمن خطورة المواد مجهولة المصدر في احتمالية التسمم بالمعادن الثقيلة أو التلوث البكتيري، مما قد يؤدي إلى فشل عضوي مفاجئ أو حساسية جلدية خطيرة. وأكد أن مثلث النجاح في بناء العضلات يعتمد على التغذية السليمة، والتدريب الذكي، والنوم الكافي، وأن هذا التوازن الطبيعي هو المحرك الحقيقي للنمو البدني السليم على المدى الطويل.وفي السياق ذاته، أوضح مختص المختبرات الدكتور ياسر بابكر، أن أدوية إنقاص الوزن وبناء العضلات قد تحمل مخاطر وآثاراً جانبية إذا استخدمت دون إشراف طبي، إذ قد تسبّب اضطرابات في القلب والكبد، بينما تؤدي المنشطات إلى مشكلات هرمونية وارتفاع ضغط الدم واضطرابات نفسية. وأضاف أن هذه المواد تؤثر على نتائج التحاليل الطبية بشكل ملحوظ، وقد تخفي مشكلات صحية حقيقية أو تعطي قراءات غير دقيقة، مؤكداً ضرورة إبلاغ الطبيب بأي أدوية أو مكملات قبل إجراء التحاليل، خصوصاً لدى المراهقين الذين لا يزال جسمهم في مرحلة النمو.السجن 6 أشهرأوضحت المحامية دلال عبدالله، أن الأنظمة في المملكة جاءت واضحة وصريحة في تجريم مثل هذه الممارسات، إذ خوّلت الجهات المختصة، وعلى رأسها هيئة الغذاء والدواء، صلاحيات واسعة لضبط ومنع تداول المنتجات غير الآمنة أو غير المرخصة، بما يكفل حماية الصحة العامة ويمنع أي عبث قد يعرّض حياة الأفراد للخطر. وأكدت أن أي تجاوز لهذه المنظومة لا يُعد مجرد مخالفة إجرائية، بل يُصنّف اعتداءً مباشراً على نظام الحماية الصحية .وأضافت أن ترويج أو بيع أدوية أو مستحضرات غير مرخصة داخل الأندية الرياضية يُعد مخالفة جسيمة تستوجب عقوبات مغلظة من عدة جهات رقابية، وتشمل العقوبات السجن لمدة تصل إلى ستة أشهر، وغرامة مالية قد تبلغ 100 ألف ريال، إضافة إلى إلغاء تراخيص المنشأة الرياضية أو المركز في حال ثبوت المخالفة، فضلاً عن مصادرة وإتلاف جميع المواد والمستحضرات غير المرخصة.وشدّدت المحامية دلال عبدالله، على أن القانون لا يتعامل مع هذه الأفعال بوصفها تجارة غير نظامية فحسب، بل باعتبارها تعريضاً متعمّداً لصحة الإنسان للخطر، وهو ما يستوجب – بحسب قولها – أقصى درجات الحزم في التطبيق والعقوبة، حمايةً للمجتمع وردعاً لأي ممارسات قد تهدّد سلامة الأفراد.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
