التخطي إلى المحتوى

خلف كواليس التنبؤ .. من يصنع توقعات الأسواق؟

لم يعد التنبؤ الاقتصادي مجرد نشاط أكاديمي يقتصر على الجامعات أو دوائر صنع القرار، بل تحوّل خلال العقود الأخيرة إلى صناعة متكاملة بمليارات الدولارات، تشارك فيها مؤسسات دولية وبنوك مركزية ومراكز أبحاث وشركات مالية كبرى.

 

وباتت التوقعات المتعلقة بالنمو الاقتصادي والتضخم وأسعار الفائدة محركًا رئيسيًا لقرارات الاستثمار والسياسات الاقتصادية وحتى في تحركات الأسواق المالية اليومية.

 

 

وتظهر حساسية الأسواق للتوقعات بوضوح عند صدور البيانات الاقتصادية الكبرى، فعندما تصدر بيانات التضخم أو الوظائف في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقارن الأسواق النتائج بالتوقعات التي ينشرها محللو البنوك والمؤسسات المالية.

 

وغالبًا ما تؤدي المفاجآت الاقتصادية إلى تحركات سريعة في أسعار الأسهم والسندات والعملات، وهو ما يعكس الدور الذي تلعبه التوقعات في تشكيل توقعات المستثمرين بشأن قرارات السياسة النقدية لدى الاحتياطي الفيدرالي.

 

وفي هذا الإطار أكد البروفيسور “لوران فيرارا”، أستاذ الاقتصاد بكلية سكيما للأعمال، في مقابلة مع “أرقام” أن التنبؤ الاقتصادي أصبح اليوم نشاطًا عالميًا يربط بين الأكاديميين والممارسين بأسواق المال، ويعتمد على كميات ضخمة من البيانات ونماذج تحليلية متطورة.

 

ويشير “فيرارا”، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس المعهد الدولي للمتنبئين، إلى أن التنبؤ لم يعد مقتصرًا على الاقتصاد فقط، بل يشمل مجالات متعددة مثل التمويل والمناخ والرياضة وحتى التنبؤ بالانتخابات، ما يعكس اتساع نطاق استخدام أدوات التحليل التنبئي في العالم المعاصر.

 

وتعكس الأرقام حجم التحول الذي يشهده هذا المجال، إذ تشير تقديرات شركات الأبحاث إلى أن سوق التحليلات التنبئية عالميًا بلغ نحو 18.9 مليار دولار أمريكي في عام 2024.

 

ومن المتوقع أن يتجاوز 82 مليار دولار بحلول عام 2030 مع تزايد اعتماد الشركات والمؤسسات على البيانات والنماذج الإحصائية في اتخاذ القرار.

 

مؤسسات تقود صناعة التوقعات الاقتصادية

 

ويرى فيرارا أن المؤسسات الدولية تمثل الجهات الأكثر تأثيرًا في صياغة التوقعات الاقتصادية العالمية.

 

وأوضح أنه من أبرز هذه المؤسسات صندوق النقد الدولي الذي يصدر تقارير دورية تتضمن توقعات للنمو والتضخم والمؤشرات الاقتصادية لمعظم دول العالم.

 

 

ويصدر صندوق النقد الدولي تقاريره الدورية مثل تقرير آفاق الاقتصاد العالمي مرتين سنويًا، ويتضمن توقعات اقتصادية تغطي أكثر من 190 اقتصادًا حول العالم، ما يجعله أحد أكثر مصادر التوقعات الاقتصادية متابعة من قبل الحكومات والمستثمرين.

 

كما تلعب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دورًا مهمًا في تقديم توقعات اقتصادية للدول المتقدمة، بينما يركز البنك الدولي بدرجة أكبر على الاقتصادات الناشئة والدول منخفضة الدخل.

 

إلى جانب هذه المؤسسات، تمثل البنوك المركزية أحد أهم مصادر التوقعات الاقتصادية التي تتابعها الأسواق.

 

ويشير فيرارا إلى أن مؤسسات مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان تنشر توقعاتها الاقتصادية بشكل دوري، وغالبًا ما يكون لهذه التوقعات تأثير مباشر في الأسواق نظرًا لارتباطها بقرارات السياسة النقدية.

 

ويبلغ عدد البنوك المركزية حول العالم أكثر من 190 بنكًا مركزيًا، ينشر العديد منها توقعات دورية للنمو والتضخم وأسعار الفائدة، وهي توقعات تتابعها الأسواق المالية عن كثب.

 

كما تلعب مراكز الأبحاث الاقتصادية والبنوك الاستثمارية دورًا مهمًا في إنتاج التوقعات التي يتابعها المستثمرون حول العالم.

 

ويوضح فيرارا أن المؤسسات المالية الكبرى لا تكتفي بتحليل الأسواق، بل تتخذ مراكز استثمارية بناءً على رؤيتها الاقتصادية، ما يمنح توقعاتها وزنًا إضافيًا في الأسواق المالية.

 

في المقابل، يلاحظ فيرارا أن توقعات الحكومات غالبًا ما تحظى بمتابعة أقل من قبل الأسواق، إذ تميل بعض الحكومات إلى تقديم تقديرات متفائلة بشأن أداء اقتصاداتها مقارنة بما يحدث فعليًا.

 

الأساس العلمي للتنبؤ الاقتصادي

 

ويعتمد التنبؤ الاقتصادي بشكل أساسي على تحليل البيانات باستخدام نماذج اقتصادية وإحصائية متقدمة.

 

وفي هذا الصدد يؤكد فيرارا أن البيانات تمثل العنصر الأهم في عملية التنبؤ، حيث يعتمد الاقتصاديون على مجموعة واسعة من المصادر تشمل البيانات الاقتصادية الرسمية وبيانات الأسواق المالية ونتائج استطلاعات الرأي.

 

وتشمل البيانات التقليدية مؤشرات مثل الإنتاج الصناعي والتجارة والناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى ما يعرف بالبيانات “الناعمة” مثل استطلاعات ثقة المستهلكين والشركات التي تعكس توقعاتهم بشأن المستقبل الاقتصادي.

 

 

كما تلعب بيانات الأسواق المالية دورًا مهمًا في التنبؤ الاقتصادي، إذ يمكن أن تعكس أسعار الأصول مثل أسعار الفائدة أو فروق العوائد بين السندات إشارات مبكرة حول اتجاهات النشاط الاقتصادي.

 

وفي السنوات الأخيرة، بدأ الاقتصاديون يعتمدون بشكل متزايد على ما يعرف بـ”البيانات البديلة”، مثل بيانات البحث على الإنترنت أو نشاط وسائل التواصل الاجتماعي أو معاملات بطاقات الائتمان.

 

ويشير فيرارا إلى أن استخدام هذه البيانات شهد توسعًا ملحوظًا خلال جائحة كوفيد-19 عندما كانت البيانات الاقتصادية التقليدية متأخرة أو غير متاحة.

 

ولتحليل هذه الكميات الضخمة من المعلومات، يستخدم الاقتصاديون مجموعة متنوعة من النماذج القياسية مثل نماذج العوامل الديناميكية والنماذج القياسية الاقتصادية المختلفة.

 

ويؤكد فيرارا أن المؤسسات لا تعتمد على نموذج واحد فقط، بل تستخدم عادة مجموعة من النماذج تختلف حسب الأفق الزمني للتوقع.

 

فعلى سبيل المثال، تُستخدم نماذج خاصة للتنبؤ الآني لتقدير النشاط الاقتصادي الحالي قبل صدور البيانات الرسمية، بينما تعتمد التوقعات قصيرة الأجل على نماذج إحصائية تقليدية، في حين تستخدم التوقعات طويلة الأجل نماذج هيكلية تعتمد على نظريات اقتصادية.

 

ويضيف فيرارا أن التاريخ الاقتصادي يظل مصدرًا مهمًا للتحليل، إذ يمكن الاستفادة من أحداث سابقة مثل صدمات أسعار النفط أو الأزمات الاقتصادية لفهم التطورات الحالية.

 

لكنه يشير أيضًا إلى أن بعض الظواهر الجديدة مثل العملات الرقمية أو التأثيرات الاقتصادية للتغير المناخي قد تكون أكثر صعوبة في التنبؤ بسبب محدودية الخبرة التاريخية بشأنها.

 

وفي هذا السياق، يشير الاقتصادي “براکش لونجاني” إلى أن التنبؤ الاقتصادي يظل نشاطًا محفوفًا بعدم اليقين.

 

وأظهرت دراسات تحليلية أن خبراء الاقتصاد فشلوا في التنبؤ بنحو ثلثي حالات الركود الكبرى قبل حدوثها، وهو ما يعكس تعقيد الاقتصاد العالمي وصعوبة التنبؤ بتحولاته الكبرى.

 

تأثير التوقعات في الأسواق ودور الذكاء الاصطناعي

 

لا تقتصر أهمية التوقعات الاقتصادية على تحليل المستقبل، بل تمتد إلى التأثير المباشر في قرارات المستثمرين وصناع السياسات.

 

ويوضح “فيرارا” أن المؤسسات الاقتصادية، وخاصة البنوك المركزية، تعتمد على التوقعات عند اتخاذ قراراتها لأن تأثير السياسات الاقتصادية يظهر بعد فترة زمنية.

 

 

فعلى سبيل المثال، عندما تقوم البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، فإن تأثير هذا القرار قد يستغرق ما بين ستة وتسعة أشهر أو أكثر قبل أن يظهر بشكل واضح في الاقتصاد.

 

ولهذا السبب تعتمد المؤسسات الاقتصادية على التوقعات لمحاولة استباق التطورات المستقبلية.

 

لكن الأسواق المالية لا تتحرك عادة استجابة للتوقعات بحد ذاتها، بل استجابة للفجوة بين ما كان متوقعًا وما يحدث فعليًا، فإذا جاءت البيانات الاقتصادية مختلفة بشكل كبير عن توقعات السوق، فإن ذلك قد يؤدي إلى تحركات ملحوظة في أسعار الأصول المالية.

 

وفي السنوات الأخيرة، بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تلعب دورًا متزايدًا في مجال التنبؤ الاقتصادي.

 

وتشير تقديرات شركات الأبحاث إلى أن سوق تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي قد يتجاوز 130 مليار دولار عالميًا بحلول عام 2030 مع تزايد اعتماد المؤسسات المالية على تحليل البيانات الضخمة والنماذج التنبؤية.

 

ويوضح فيرارا أن هذه التقنيات يمكن أن تساعد في تحليل قواعد بيانات ضخمة واختيار المتغيرات الأكثر أهمية منها، ما يسهم في بناء نماذج تنبؤية أكثر دقة، لكن في الوقت نفسه، يلفت إلى أن أحد التحديات الرئيسية في استخدام هذه التقنيات يتمثل في صعوبة تفسير نتائجها.

 

وتمتلك العديد من نماذج التعلم الآلي القدرة على إنتاج توقعات دقيقة، لكنها لا تقدم دائمًا تفسيرًا واضحًا لكيفية الوصول إلى هذه النتائج.

 

 

ويؤكد اقتصاديون آخرون هذه الفكرة، فقد أشار الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد “كينيث روجوف” إلى أن النماذج الاقتصادية المتقدمة، بما فيها النماذج المعتمدة على البيانات الضخمة، تمثل أدوات مهمة لتحليل الاقتصاد.

 

لكنه أضاف أن تلك الأدوات رغم أهميتها لفهم الاقتصاد لكنها لا تستطيع إزالة حالة عدم اليقين التي تميز الأنظمة الاقتصادية المعقدة.

 

ولهذا السبب يرى فيرارا أن الجمع بين أدوات الذكاء الاصطناعي والنماذج الاقتصادية التقليدية قد يكون نهج أكثر فاعلية بالمستقبل، حيث يمكن استخدام تقنيات التعلم الآلي لمعالجة البيانات الضخمة، بينما توفر النماذج الاقتصادية إطارًا تحليليًا يساعد في تفسير النتائج وفهمها.

 

في النهاية، تكشف صناعة التنبؤ الاقتصادي عن مفارقة لافتة؛ فالتوقعات لا تقدم يقينًا بقدر ما تقدم خريطة احتمالات تساعد المستثمرين وصناع السياسات على التحرك في عالم يتسم بالتقلب وعدم اليقين.

 

وبين النماذج الاقتصادية التقليدية والبيانات الضخمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، تتشكل اليوم منظومة معقدة لصناعة التوقعات، ومع ذلك، يظل التنبؤ في جوهره مزيجًا من العلم والخبرة والحكم البشري، وليس مجرد معادلات رياضية أو خوارزميات.

 

وبينما تستمر الأسواق في البحث عن إشارات مبكرة للمستقبل، ستظل التوقعات الاقتصادية أداة أساسية لفهم الاتجاهات الكبرى، لكنها لن تتحول أبدًا إلى مرآة تعكس المستقبل بدقة كاملة، بل إلى بوصلة تساعد العالم على الإبحار وسط بحر واسع من الاحتمالات.

 

المصادر: أرقام- مقابلة مع لوران فيرارا (أستاذ الاقتصاد في سيكما ورئيس المعهد الدولي للمتنبئين)-  صندوق النقد الدولي- رويترز- جراند فيو ريسرش

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *