هيئة التقويم والتدريب.. من يقيّم عملها؟ – أخبار السعودية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
لم تعد اختبارات الرخصة المهنية واختبارات القدرات العامة والتحصيلي وبقية اختبارات هيئة التقويم والتدريب مجرد أدوات قياس عابرة، لقد تحولت إلى مصير حقيقي، وإلى بوابة تُفتح أو تُغلق أمام مستقبل إنسان، ووظيفة شاب، وفرصة معلم، ومسار أسرة كاملة تُعلّق أحلامها على رقمٍ يخرج في رسالة نصية. وعندما يصبح «الرقم» بهذا الوزن وهذه الخطورة، فإن السؤال العادل الذي يجب أن يُطرح بصوت المجتمع التعليمي كله هو:
من يراجع هذه الاختبارات؟ من يُقيّم المقيّمين؟ ومن يحاسب الجهة التي تمتلك سلطة إصدار حكمٍ نهائي على مستقبل الناس؟
لسنا ضد القياس، ولسنا ضد التطوير، ولسنا ضد أن توجد اختبارات تضع معايير وتكشف الفروق؛ نحن ضد الغموض، وضد الثقة المطلقة بمنتج غير قابل للمساءلة، وضد أن تتحوّل الهيئة إلى جهة تحاسب الجميع ولا يُحاسبها أحد!
أصبح من الضروري، بل من الواجب الوطني، تشكيل لجنة عليا مستقلة تضم خبراء جامعات ومتخصصين تربويين ونفسيين وقانونيين وممثلين حقيقيين من الميدان التعليمي لمراجعة فلسفة هذه الاختبارات ومحتواها وعدالتها وأثرها النفسي والاجتماعي، والأهم آليات التصحيح وتوزيع الدرجات.
آلاف الساعات تُهدر في المذاكرة، ملايين الريالات تُصرف على الدورات، وقلق طويل يعيشه المختبِر وعائلته، ثم يفاجأ بأن النتيجة لا تتغير، وأنه يعود ليقف عند الدرجة نفسها، كأن جهده لم يُحتسب ولم يُرَ!
هل من المنطقي أن تتكرر درجات ضخمة من المختبرين حول سقف (65) بهذا الشكل الواسع والمستمر رغم اختلاف الأفراد والجهود والخلفيات؟ هذا النمط المتكرر يضعنا أمام احتمالين؛
إما أن تصميم الاختبارات يحمل خللاً في قدرته على التفريق بين المستويات!
أو أن آلية التصحيح والوزن النسبي للأسئلة غير عادلة أو غير مفهومة!
في كل أنظمة التعليم التي تحترم نفسها، ثبات الأرقام على نمط واحد مؤشر خطر يستدعي تدخلاً علمياً عاجلاً، لأن الاختبار العادل يفترض أن يُفرّق، وأن يمنح مساحة للتحسن، وأن يترك للجهد فرصة أن يظهر ويُقدَّر!
أما أن يتحول إلى ختم قاسٍ يطبع الدرجة نفسها مهما تغيّر الجهد، فذلك ظلم تربوي لا يمكن تبريره. الشفافية هنا ليست ترفاً، ولكنه حقٌ أخلاقي ومهني وقانوني، ومن حق المختبر أن يعرف كيف تُحسب درجته، وما وزن كل محور، وهل كل الأسئلة متساوية الدرجة أم أن بعضها حاكم وبعضها هامشي؟
وماذا يعني أن يفوته سؤال أو سؤالان، وما الذي يحدد أن يكون 70 أو 80 أو 50.
فليس من حق أي جهة تقول إنها «تقيس جودة التعليم والمخرجات» أن تمنع الشفافية عن المجتمع الذي تُقوِّمه!
وإذا كنا نتحدث تحديداً عن الاختبار التربوي، فإن المطالبة بالوضوح تكون أكثر قوة، لأننا نتحدث عن معلم يفترض أنه شريك واعٍ في العملية التعليمية، فكيف يُطالب بالثقة في اختبار لا يعرف فلسفته ولا آلية حسابه؟
المطلوب أن تخرج هيئة التقويم بوضوح للمجتمع وتشرح آلية التصحيح، وتكشف وثيقة واضحة لوزن المحاور، وتفسر السبب الواقعي والعلمي لتكرار الدرجات المتشابهة بهذا الشكل اللافت، فهذا ليس سراً عسكرياً ولا أمناً وطنياً، إنما هو حق لمختبر دفع وتعب وانتظر ثم وجد نتيجة قد تحرمه من وظيفة أو تقلل فرص ترقيه أو تعطي عنه حكماً قاسياً بأنه غير مؤهل!
نحن لا نتحدث عن ورقة اختبار فقط، نحن نتحدث عن مستقبل دراسي ووظيفي، واستقرار نفسي، وثقة اجتماعية، وعدالة تعليمية، وعن أثر نفسي عميق يصيب الطلاب والمعلمين والأسر والميدان التعليمي كله.
المطلوب الآن، وليس غداً، هو تشكيل لجنة مستقلة، ونشر وثيقة واضحة لآلية التصحيح خاصة في الاختبار التربوي، وفتح قنوات اعتراض حقيقية وليست شكلية، والاعتراف بأن منظومة التقويم نفسها تحتاج إلى تقويم، وأن القياس يحتاج إلى أن يُقاس علمياً وبصدق!
لسنا في معركة ضد هيئة التقويم، نحن في معركة من أجل العدالة والشفافية وكرامة المعلم واطمئنان الطالب وثقة المجتمع، ومن أجل أن يشعر كل مجتهد أن جهده لن يُختزل في رقم غامض لا يعرف كيف وُلد. القياس الحقيقي ليس في تعقيد الاختبار بل في عدالته، والنجاح الحقيقي للهيئة ليس في فرض واقع صامت، بل في مواجهة أسئلة المجتمع بشجاعة، وحين تكون الهيئة واثقة من جودة منتجاتها، فلن تخشى كشفها.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات