توقعات بيوت الخبرة العالمية لتداعيات الصراع في الشرق الأوسط حالياً

في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى المنطقة التي تُعد شريان الطاقة الأهم في العالم. فكل تطور ميداني في هذا الصراع ينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز، ويعيد إشعال المخاوف بشأن التضخم العالمي ومسار النمو الاقتصادي.
وفي ظل هذه السيناريوهات، يبقى الشرق الأوسط في قلب المعادلة الجيوسياسية العالمية، إذ لا تقتصر تداعيات الصراع على الحسابات الاستراتيجية، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي في المنطقة والعالم.
وفي خضم هذه التطورات، تسارع بيوت الخبرة والمؤسسات المالية الدولية إلى تقييم السيناريوهات المحتملة لتداعيات الصراع، بدءاً من اضطرابات قصيرة الأمد في إمدادات الطاقة، وصولاً إلى سيناريوهات أكثر تشاؤماً قد تدفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، وتضغط على الاقتصاد العالمي.
ترصد “أرقام” في هذا التقرير، أبرز تعليقات بيوت الخبرة العالمية حول تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة والذهب والأسهم، وانعكاساته المحتملة على التضخم والنمو الاقتصادي عالمياً.
يو بي إس: الصراع سيكون قصير الأمد
حذر بنك يو بي إس من خطورة التصعيد الأمريكي الإيراني على زيادة المخاطر الجيوسياسية عالمياً. مستبعداً أن يطول أمد التصعيد الأخير، لكن يقتصر على حدوث اضطراب قصير الأمد في إمدادات الطاقة العالمية”.
وتوقع “يو بي إس” أن يتراجع الارتفاع الأولي في أسعار النفط – جزئياً على الأقل- بمجرد أن يتضح أن العمل العسكري قد ينتهي، ورجح البنك أن تشهد الأسواق العالمية تقلبات خلال الأسابيع المقبلة، لكن سرعان ما ستركز الأسواق المؤشرات الاقتصادية، مع تلافي الصدمات الجيوسياسية.
ولفت البنك في مذكرة له أن تصعيد الصراع الأمريكي الإيراني إلى حرب شاملة لم يكن أمراً مفاجئاً، مشيراً إلى أن البنك سبق وتوقع في 24 فبراير الماضي أن توجه أمريكا ضربة لإيران.
بنك يونايتد أوفرسيز: ترجح استقرار النفط عند 80 دولاراً للبرميل خلال الأزمة الإيرانية
رجح بنك يونايتد أوفرسيز استقرار النفط عند 80 دولاراً للبرميل خلال الربعين الثاني والثالث في 2026، وذلك على الرغم من تصاعد الصراع المتجدد في إيران والشرق الأوسط.
وأوضح يونايتد أوفرسيز في مذكرة له أنه من السابق لأوانه توقع وصول السعر إلى 100 دولار أمريكي للبرميل، إذا لم يتطور التصعيد في المنطقة. وأشار إلى أن استهداف منشآت الطاقة في الخليج، أو استهداف ناقلات النفط، سيدفع الأسعار للارتفاع فوق مستوى الـ 80 دولاراً للبرميل.
كما توقع بنك يونايتد أوفرسيز أن يكمل النفط مساراً هابطاً حتى الربع الأول من عام 2027، ليسجل متوسط عند 70 دولاراً أمريكياً للبرميل خلال الفترة.
ولفتت المذكرة إلى أن منظمة أوبك لاتزال تمتلك احتياطيات إنتاجية فائضة نتيجة تخفيضات الإنتاج السابقة منذ 2023، مشيرة إلى وجود “مجال أمام كل من أوبك، وبالأخص السعودية، لزيادة الإنتاج إذا لزم الأمر للحد من أي ارتفاع حاد في أسعار الطاقة”.
وأردفت المذكرة أن الأزمة الإيرانية الأخيرة عززت الحاجة إلى الذهب كملاذ آمن، ورفع توقعاته لسعر الذهب إلى 5400 دولار للأونصة في الربع الثاني من عام 2026، و5600 دولار للأونصة في الربع الثالث من عام 2026، و5800 دولار للأونصة في الربع الرابع من عام 2026، و6000 دولار للأونصة في الربع الأول من عام 2027.
كابيتال إيكونوميكس: هناك مسارات بديلة لنفط الخليج على عكس الغاز الطبيعي
وسلط تقرير صادر عن كابيتال إيكونوميكس أن صادرات النفط الخليجية تملك مسارات بديلة عن مضيق هرمز، مشيراً إلى امتلاك المملكة العربية السعودية لخط أنابيب إلى ينبع بطاقة 5 ملايين برميل يومياً، وجرى توسيعه مؤقتاً إلى 7 ملايين في 2019. كما تملك الإمارات خطاً بسعة 1.8 مليون برميل يومياً ما يكافئ صادراتها من “هرمز”. لكن الطاقة المتاحة فعلياً محدودة.
في المقابل تبقى صادرات العراق والكويت وإيران دون بدائل تُذكر، ما قد يعرّض 10–20% من الإمدادات العالمية للخطر في حال التعطّل، بحسب كابيتال إيكونوميكس. أما الغاز المسال فلا تتوافر له مسارات بديلة، وهو ما يفسر قفزة سعر الغاز الأوروبي بنحو 23% مقابل 8% لخام برنت.
ويمثل مضيق هرمز حوالي 25% من شحنات النفط المنقولة بحراً عالمياً (20.3 مليون برميل يومياً، منها حوالي 14 مليون برميل يومياً من النفط الخام) وحوالي 20% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال (19.3 مليار قدم مكعب يومياً) في عام 2024.
أليانز: النفط قد يصل إلى 130 دولاراً للبرميل حال تفاقم الصراع
ذكرت شركة أليانز العالمية للتأمين أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران ستؤثر على أسواق الطاقة، وتكاليف الشحن، ومخاطر التضخم، والأوضاع المالية، مشيرة إلى أن مدة الصراع ستكون العامل الحاسم في تحديد الآثار الاقتصادية للحرب، لكن شركة أليانز أوضحت أن إطالة أمد الحرب ستؤدي إلى “صدمة تضخمية مماثلة لأزمة 2022”.
وحول أسعار الطاقة توقعت أليانز وصول أسعار النفط إلى 70 دولاراً للبرميل نهاية 2026، بزيادة تتجاوز 15% عن التقديرات السابقة، على أن يحقق النفط ذروته عند 85 دولاراً للبرميل. لكن حال استمرار الصراع لفترة طويلة توقع التقرير وصول النفط إلى 130 دولاراً للبرميل.
وأكدت أليانز على محدودية تأثير الحرب على التضخم والنشاط الاقتصادي في السيناريو الأساسي متوقعة أن يرتفع معدل التضخم بنحو 0.1-0.2% ليصل إلى 2.6% و 2.1% في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا على الترتيب، مقارنة بتوقعات سابقة عند 2.5% و1.9%.
أما في السيناريو الأكثر تشاؤماً -الأقل توقعاً للحدوث- فمن المرجع أن يصل التضخم إلى 3.8% في الولايات المتحدة الأمريكية و3.1% في أوروبا.
كما توقع التقرير تباطؤ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا بمقدار 0.1% لتسجل 2.5% في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بـ 2.6% في توقعات قبل الحرب، و1.2% في أوروبا مقارنة بـ 1.3% في توقعات سابقة.
وشددت أليانز على أهمية تأمين مضيق هرمز -الذي ينقل 30% من تدفقات الهيدروكربونات العالمية – مشيرة إلى أن رد فعل سوق النفط كان مدفوعاً باضطرابات النقل البحري أكثر من كونه ناتجاً عن ندرة النفط، لافتة إلى وجود أكثر من 200 سفينة نفط وغاز طبيعي مسال راسية خارج مضيق هرمز، مما يعكس مخاوف التأمين ضد مخاطر الحرب والتوقف الاحترازي للعمليات.
الذهب قد يصل لـ 5600 دولار للأونصة نتيجة الحرب الإيرانية
توقعت شركة فيتش سليوشنز أن يصل الذهب إلى مستوى 5600 دولار للأونصة إذا لم تظهر بوادر انفراجة في الشرق الأوسط، أما في حال استمرار النزاع لمدة أسبوعين أو ثلاثة، فقد يرتفع سعر الذهب إلى حوالي 5850 دولاراً للأونصة، وربما يصل إلى 6500 دولار للأونصة ولفتت الشركة إلى أن المشترين يبحثون عن أصول ملاذ آمن للتحوط من آثار النزاع.
أوروبا الأكثر تضرراً والغاز قد يصل إلى 100 يورو
وقال بنك آي إن جي إن منطقة اليورو هي الأكثر تضرراً من التداعيات الاقتصادية الكلية للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط. في إشارة إلى أن منطقة اليورو قد بدأت أخيراً بالخروج من حالة الركود، على الرغم من حالة عدم اليقين الجديدة بشأن الرسوم الجمركية.
وأوضح البنك في مذكرة له أن توقعات البنك المركزي الأوروبي أظهرت سابقاً أن زيادة أسعار النفط بنسبة 14% سترفع التضخم بمقدار 0.5%، وقد تُخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 0.1%.
حذر غولدمان ساكس من أن توقف تدفقات الغاز عبر مضيق هرمز لشهر قد يرفع الأسعار في أوروبا إلى 62–74 يورو للميغاواط/ساعة، مع تراجع التخزين 8%. وإذا استمر الانقطاع لأكثر من شهرين، فقد تتجاوز الأسعار 100 يورو، ما يضغط على الطلب العالمي. بالمقابل، يبقى تأثير الأزمة على السوق الأمريكية محدوداً بفضل وفرة الإمدادات.
فيتش: اقتصادات الخليج قادرة على تحمل الصدمات قصيرة الأجل
وذكرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، أن التصنيفات السيادية لدول الشرق الأوسط تتمتع بهامش أمان كافٍ لتحمل نزاع إقليمي قصير الأمد لا يتصاعد. لكن الوكالة لفتت إلى أن مسار النزاع غير واضح، وقد يُشكل الضرر الدائم الذي يلحق بالبنية التحتية الرئيسية للطاقة أو استمرار الأعمال العدائية لفترة أطول مخاطر على التصنيفات السيادية الإقليمية.
ورجحت وكالة فيتش في سيناريوها الأساسي أن النزاع سيستمر لأقل من شهر، على غرار حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في 2025، لكن الوكالة أوضحت أن الهجمات الحالية كان أثرها أكبر.
وذكرت الوكالة أن مدى الضرر المادي للبنية التحتية للطاقة في دول الخليج هي العامل الحاسم في ترجيح الضغط على التصنيفات السيادية للدول.
وتوقعت فيتش أن يغلق مضيق هرمز طوال مدة النزاع، إما بسبب الحصار المادي المباشر، أو عدم قدرة السفن على الحصول على تأمين، أو عوامل أخرى متعلقة بالتهديدات.
لفت التقرير إلى امتلاك “السعودية والإمارات خطوط أنابيب تسمح بنقل جزء كبير من إنتاجهما بعيداً عن المضيق، كما أن جميع مصدري النفط الرئيسيين يخزنون النفط خارج المنطقة”، لكن يظل التأثير الأكبر بحسب فيتش يقع على “البحرين والكويت وقطر، التي تفتقر إلى طرق إمداد بديلة عن مضيق هرمز، والعراق، الذي تعتمد صادراته بشكل كبير على هذا المضيق”.
وأكدت فيتش أن ارتفاع أسعار الطاقة سيخفف من أثر أي انقطاع مؤقت في عائدات التصدير، طالما استمرت الشحنات في الوصول.
وتوقعت وكالة فيتش أن تأثير الحرب على النمو الاقتصادي لدول الخليج سيكون مؤقتاً، ولكن قد يكون هناك ضرر طويل الأمد على تلك المناطق التي تتخذ من نفسها ملاذاً آمناً للشركات والأفراد الدوليين. قد يؤدي نزوح المغتربين إلى الضغط على بعض أسواق الإسكان في دول مجلس التعاون الخليجي.
“تمتلك معظم دول مجلس التعاون الخليجي أصولاً كبيرة توفر لها احتياطياً في حال حدوث انقطاع قصير الأجل في إيرادات الطاقة، بينما تخضع القطاعات غير النفطية لضرائب منخفضة، لذا فإن أي انقطاع فيها لن يكون له سوى تأثير طفيف على المالية العامة”، بحسب وكالة التصنيف الائتماني.
توقع محللو سيتي جروب تأثيراً سلبياً واسعاً لأزمة الشرق الأوسط على الأسهم الإقليمية مع إعادة تسعير علاوة المخاطر. وفي حال استمرار التصعيد، قد تتراجع قطاعات العقارات والمال والنقل والتجزئة، مقابل صمود القطاعات الدفاعية.
زيلا كابيتال: لن تتعطل الإمدادات
وفي قراءة مغايرة للمشهد، أكدت شركة زيلا كابيتال أن الحروب في بدايتها لن تكلف الاقتصاد كثيراً، لكن تكمن الخطورة في تبعات الحرب طويلة الأمد التي تخلق تكاليف متزايدة وتبعات جيوسياسية، وهو ما حدث في سيناريو الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، محذرة من أن تداعيات الحرب الإيرانية قد تكون أخطر.
ورجحت زيلا كابيتال أن يكون رد الفعل الإيراني “غير مباشر وموزعاً على مدى فترة طويلة”، مشيرة إلى أن نفوذ إيران لا يقتصر على الصواريخ، بل يمتد إلى “جغرافيا الطاقة”.
وأوضحت زيلا كابيتال أن الهجوم على البنية التحية في الخليج لن يعطل الإمدادات، بقدر ما يقوض الشعور بالأمن الذي يقوم عليه النموذج الاقتصادي للمنطقة لافتة إلى أن ” الاستثمار والتأمين والشحن والعقود طويلة الأجل كلها تعتمد على هذا الشعور”.
توقعات الفيدرالي الأمريكي لانعكاسات الحرب
في تعليق من الفيدرالي الأمريكي على الانعكاسات المحتملة للحرب على مسار الفائدة الأمريكية، قال عضو الفيدرالي “نيل كاشكاري” إن الصراع في الشرق الأوسط زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية الأمريكية، وصعّب عملية التنبؤ بمستقبل السياسة النقدية، وأن الفيدرالي في حاجة لمراقبة هذه الصدمة الجديدة، التي قد تُصيب الاقتصاد العالمي، ليقيم إلى متى سيستمر تأثيرها، وما حجمه.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات