التخطي إلى المحتوى

موت الزيارات الرمضانية – أخبار السعودية

تشير آراء كثيرة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أضعفت حرارة الفرح بقدوم رمضان، بعدما فرضت واقعاً افتراضياً دفع كثيراً من العادات الرمضانية إلى التراجع. فطريقة استخدامنا لهذه التطبيقات نزعت شيئاً من جمال التواصل، حتى بات السؤال عن الأقارب والأصدقاء يقتصر على رسائل مقتضبة وعبارة «رمضان كريم» دون لقاء أو زيارة؛ ما أفقد العلاقات دفئها الحقيقي وجعلها سطحية مهما بدت قوية. كما أصبح البعض يتحاشى الزيارات بحجة الانشغال والزحام، بينما كانت لقاءات الماضي تتم بعفوية وبساطة قبل أن يغيّبها الهاتف المحمول.

ويأمل كبار السن أن يخفّف الناس من اعتمادهم على التواصل الافتراضي، لتعود الزيارات الرمضانية حيّة كما كانت. ويستعيد العم راشد العتيبي، الذي تجاوز الثمانين، ذكريات رمضان القديم حيث التهاني المتبادلة والزيارات المستمرة. فيما يفتقد عبدالعزيز الزهراني أجواء «الشّبات الرمضانية» التي كان يجتمع فيها أهل الحي على مائدة واحدة تسودها المحبة. أما محمد عسيري فيرى أن التقنية فرضت تباعداً واضحاً، وسلبت الشهر فرحته ورسّخت العزلة لدى الكثيرين.

في المقابل، يرى بعض الشباب أن التطبيقات الإلكترونية أصبحت وسيلة تواصل مناسبة لإيقاع الحياة السريع. ويقول فارس الروقي إن مشاغل الحياة لم تترك مجالاً للزيارات، فكانت التهنئة عبر الهاتف هي الحل العملي. بينما يفضّل سلطان البقمي وتركي الشهري، الإفطار في المنزل مع الوالدين، معتبرين أن الإفطار الجماعي للجيران مكلف، وأن إعداد الوجبات الرمضانية مرهق، ما يجعل الاكتفاء بإفطار الأسرة خياراً أكثر واقعية.

العزلة الرقمية

أظهرت دراسة أمريكية استمرت تسعة أعوام، أجراها باحثون من جامعة بايلور، أن الاستخدام السلبي لوسائل التواصل -مثل التصفح دون تفاعل- يرتبط بارتفاع الشعور بالوحدة على المدى الطويل. كما بيّنت النتائج أن الاستخدام النشط لا يعوّض التواصل العاطفي المباشر، وأن التفاعلات الرقمية لا يمكن أن تحل محل العلاقات الواقعية، مما يعزز العزلة ويخلق دائرة متكررة بين الوحدة والإفراط في استخدام المنصات. وأكد الباحثون ضرورة تحقيق توازن في الاستخدام وتعزيز التفاعل الشخصي لحماية الصحة النفسية.

وشدد مختصون لـ«عكاظ»، على أهمية الانتباه للمخاطر الاجتماعية والنفسية التي قد تفرضها التقنية، والدعوة إلى إحياء جمال الزيارات الرمضانية وطرق أبواب الأحباب والأهل والجيران.


عايض الزهراني

الهاتف والإنسان

ويشير عضو هيئة التدريس بجامعة الطائف سابقا الدكتور عايض الزهراني، إلى أن المدن قديماً كانت تنبض بروح التلاحم وحرارة المجالس ووشائج الرحم التي تُسقى بالزيارة لا بالعبارات. وكانت التهنئة طريقاً إلى باب يُطرق ويد تُصافح وعين تطمئن. ثم جاءت التقنية تدريجياً؛ من الفاكس إلى الرسائل القصيرة، حتى استقر الهاتف في اليد كأنه بديل عن الإنسان نفسه. ومن هنا -كما يقول- بدأ التحول الأخطر، إذ أصبح التواصل وفيراً والود شحيحاً، وصارت الرموز بديلاً عن الكلام، والكلام بديلاً عن اللقاء، واللقاء مؤجلاً حتى يذبل. ويؤكد أن المشكلة ليست في التقنية، بل في تحويلها إلى نمط حياة يبدّل القيم من صلة إلى إشعار، ومن اجتماع إلى تحديث، ومن عناق إلى أيقونة باردة. ويرى أن رمضان فرصة لاستعادة المعنى وإعادة الزيارة إلى مكانتها والعائلة إلى حضورها.


رضا الحربي

الدور الإعلامي

أما المتخصص في الإعلام والاتصال الأكاديمي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبدالعزيز رضا الحربي، فيشير إلى أن التواصل عبر التطبيقات -خصوصاً (واتساب)- أصبح بديلاً شائعاً عن التواصل المباشر، ما انعكس سلباً على حرارة العلاقات، فالتهاني التي كانت تعبّر عن حضور وجداني حقيقي تحولت إلى رسائل جماعية متكررة تفتقر للخصوصية والمعنى. ويرى الحربي أن هذا النمط يهدد بتكريس برود اجتماعي، ويضعف الروابط العائلية. ويؤكد أهمية دور الإعلام في التنبيه إلى هذه الآثار، والدعوة لاستعادة أشكال التواصل الإنساني المباشر، سواء عبر الزيارات أو المكالمات الشخصية أو الرسائل الصوتية التي تحمل قدراً أكبر من المشاعر. ويضيف أن ظروف العمل والتنقل قد تفرض التباعد، لكن الحفاظ على جودة التواصل مسؤولية مشتركة تتطلب وعياً إعلامياً واجتماعياً يعيد الاعتبار للعلاقات الحية الدافئة.


دخيل البراق

برود المشاعر

يقول الأخصائي النفسي دخيل البراق: إن رمضان يُبهج النفس، ويجدد الروحانية، ويقوّي العلاقات، لكن مع مرور الزمن زادت تحديات الحياة وقلّ الشغف باستقبال الشهر، فأصبحت التهاني افتراضية والزيارات محصورة في مجموعات (الواتساب)، وكأن رمضان لم يعد مختلفاً عن بقية الأشهر. ويرى البراق أن المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في فقدان التواصل الحقيقي، وهو ما ينعكس سلباً على المشاعر ويزيد التبلد العاطفي. كما يشير إلى أن الاندفاع لشراء المأكولات يعكس قلقاً مجتمعياً وخوفاً من النقص، داعياً إلى رفع وعي الجيل الحديث بأهمية اللقاء المباشر والمودة والرحمة، والابتعاد عن الاستهلاك المفرط الذي يضعف الإحساس ويهز الروابط.


مناهل الجعيد

التصحيح الاجتماعي

وتوضح الإخصائية الاجتماعية مناهل الجعيد، أن رمضان لم يعد لدى كثيرين مساحة حقيقية للقاء وصلة الرحم، بل تحول إلى موسم تهانٍ رقمية ورسائل جاهزة لا تحمل حرارة القرب. وتقول: إن التقنية أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية، فاختصرت صلة الرحم في إشعار، والزيارة في صورة، والاهتمام في (إيموجي). وترى أن الخطر الحقيقي يكمن في استسلام الإنسان للتقنية على حساب علاقاته، فجوهر رمضان ليس طقساً موسمياً، بل محطة تصحيح روحي واجتماعي وفرصة لترميم العلاقات وجبر القلوب وإنهاء القطيعة. وتحذّر من أن فقدان هذا الجوهر يجعل الشهر مجرد شكل بلا معنى.


متعب القثامي

رمضان في السابق

أوضح أستاذ التاريخ الدكتور متعب القثامي، أن لكل جيل عاداته وتقاليده التي تميّزه، لا سيما في المناسبات الدينية والاجتماعية، وفي مقدمتها شهر رمضان؛ الذي كان يمثِّل في الماضي ذروة التواصل الاجتماعي وروح الجماعة. وأشار إلى أن العادات بطبيعتها تتغير وتتطور من جيل إلى آخر، لافتاً إلى أن رمضان قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي -التي ينطبق عليها وصف «قرّبت البعيد وأبعدت القريب»- كان مناسبة تتجسد فيها اللقاءات الحقيقية، بخلاف ما نشهده اليوم من جلوس الأشخاص في مجلس واحد بينما يفرّق بينهم انشغالهم بالهواتف والشاشات.

وبيّن أن استقبال رمضان قديماً كان يبدأ بفرح ظاهر واستعداد نفسي كبير، إذ كان الناس يترقّبون إعلان دخوله عبر وسائل الإعلام التقليدية مثل الراديو ثم التلفزيون والصحف. وما إن يُعلن ثبوت الشهر حتى تعمّ البشائر، وتبدأ طقوس الصيام والقيام، ويشارك فيها الجميع؛ كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، كلٌّ بحسب دوره. وكانت التهاني يتم تبادلها في المساجد والبيوت، وتغلب على الليالي الرمضانية أجواء السهر المرتبط بالعبادة واللقاءات العائلية، في وقت كان السهر طوال العام أمراً نادراً مقارنة بما نراه اليوم لدى بعض الشباب.

وأشار الدكتور القثامي إلى أن هذا الشعور الجمعي بدأ يتراجع مع هيمنة وسائل التواصل الحديثة، رغم دورها في تسريع إعلان دخول الشهر وانتشار الخبر على نطاق واسع. كما أوضح أن رمضان اليوم يختلف من حيث سهولة الصيام بفضل توفر وسائل التبريد وتحسن مستوى المعيشة، إضافة إلى التنوع الكبير في الأطعمة والمشروبات، مما خفف كثيراً من مشقة الماضي، لكنه في المقابل غيّر بعض ملامح التجربة الرمضانية وروحها الاجتماعية.

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *