التخطي إلى المحتوى

فقاعات تتشكل بصمت .. كيف نكتشفها قبل الانفجار؟

يسميها المستثمرون “مرحلة جديدة”، فيما يصفها صناع السياسات بأنها “تحول هيكلي”، بينما يراها بعض المحللين “تفاؤلًا مؤقتًا”، لكن التاريخ وحده هو من يسميها لاحقًا “فقاعة”.


من هوس زهور التوليب الهولندية في ثلاثينيات القرن السابع عشر وحتى انهيار “دوت كوم” وسوق الإسكان في القرن الحادي والعشرين، يتكرر النمط ذاته، ترتفع الأسعار بعيدًا عن الواقع، وتحل الأوهام محل التحليل، ويتنكر الخطر في هيئة فرصة.

فكل فقاعة كبرى في التاريخ الحديث كانت مرئية في وقتها، لكنها بدت غير قابلة للتصديق لمن يعيش داخلها، لتحدث الأزمات المالية وتبدو كمفاجآت حقيقية.


ورغم ظهور الأدلة في التقييمات، وفي سلوك المستثمرين، وفي البنية المالية للنظام نفسه، فإن الأسواق تدخل ما يمكن وصفه بالمرحلة الصامتة للفقاعة حيث تكون المخاطر في ذروتها بينما يكون القلق في أدنى مستوياته.


وهنا قد يتسائل البعض لماذا نادرًا ما يتم التعرف على الفقاعات مبكرًا بما يكفي لتفادي أضرارها، ولا يعني اكتشاف الفقاعة التنبؤ بيوم الانفجار تحديدًا، بل التعرف على بيئة خطرة تعتمد فيها الأسعار على الإيمان أكثر من اعتمادها على القيمة.


عندما تنفصل الأسعار عن الواقع


أول إشارة تحذير لا تكمن في سرعة الارتفاع، بل في غياب المبرر، إذ يمكن للأسواق أن ترتفع سريعًا وتظل صحية إذا كانت الأرباح والإنتاجية والتدفقات النقدية تدعم التقييمات، لكن الفقاعة تبدأ عندما يتجاوز ارتفاع الأسعار بكثير قدرة الاقتصاد على تبريره.


المثال الأبرز يظل أداء مؤشر ناسداك خلال فقاعة شركات الإنترنت، فبين عامي 1995 ومارس 2000، قفز المؤشر بأكثر من 400%، لكن أرباح الشركات لم تواكب هذا الصعود.


ووفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي وأرشيف أرباح “ستاندرد آند بورز”، تجاوز متوسط مضاعف الربحية لشركات التكنولوجيا بكثير المتوسط التاريخي الذي يتراوح بين 15 و20.


بل إن العديد من الشركات لم تكن تحقق أرباحًا أصلًا، فشركة بيتس دوت كوم -على سبيل المثال- بلغت قيمتها السوقية أكثر من 300 مليون دولار رغم إيرادات محدودة وخسائر متواصلة.


وعندما انفجرت الفقاعة، تبخر ما بين 7 و8 تريليونات دولار أمريكي من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية بين عامي 2000 و2002، وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي.


تكرر التشوه في التقييمات قبل أزمة 2008، إذ ارتفعت أسعار المنازل الأمريكية، بحسب مؤشر إس آند بي/كيس-شيلر لأسعار المنازل، بنحو 90% بين عامي 2000 و2006.

في المقابل، نما متوسط دخل الأسر بحوالي 20% فقط خلال الفترة نفسها وفق بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، لتبلغ نسبة سعر المنزل إلى الدخل أعلى مستوياتها منذ بدء تسجيل البيانات في سبعينيات القرن الماضي.


لم تعد المنازل تسعر كمساكن، بل كأصول مضاربية، وعندما تصبح الأسعار معتمدة على توقع مشترٍ جديد أكثر من اعتمادها على القدرة الفعلية على الشراء، تكون السوق قد دخلت بالفعل منطقة الفقاعة.


مثال أحدث ظهر في 2021 مع سهم شركة جيم ستوب حيث ارتفع السهم من نحو 17 دولارًا أمريكيًا في بداية يناير إلى أكثر من 480 دولارًا خلال أسابيع بزيادة تجاوزت 2700%.


لم يعكس الصعود تحسنًا في الأداء التشغيلي، بل موجة مضاربة مكثفة فيما عرف بأسهم الميم حيث كانت إيرادات الشركة السنوية تقارب 5 مليارات دولار أمريكي وآخذة في التراجع، وفق إفصاحات هيئة الأوراق المالية الأمريكية.


هذا الانفصال الحاد بين السعر والأساسيات غالبًا ما يسبق التصحيحات العنيفة، أي أن الفقاعة لا تُعرف بارتفاع الأسعار، بل بانفصالها عن الأساس الاقتصادي القابل للقياس.


الإشارة البشرية


الفقاعات في جوهرها ليست مجرد اختلالات في الأرقام، بل موجات نفسية جماعية تتخفى في صورة أحداث اقتصادية.


فالأسواق لا تنتفخ لأن معادلات التقييم تبدلت فجأة، بل لأن قناعات المستثمرين تبدلت؛ لأن السرديات الجديدة أقنعتهم بأن “هذه المرة مختلفة”، وأن المخاطر أقل مما تبدو عليه.


أحد أكثر المؤشرات السلوكية موثوقية هو دخول المستثمرين قليلي الخبرة في المراحل المتأخرة من الصعود.


فقبل انهيار شركات الإنترنت، تضاعف عدد حسابات الوساطة الإلكترونية في الولايات المتحدة بين 1997 و1999 وفق بيانات اتحاد صناعة الأوراق المالية.


وتحولت المضاربة اليومية إلى ظاهرة شعبية، وأصبحت القنوات التلفزيونية تبث توصيات الأسهم على مدار الساعة، ولم يعد السؤال هل ستحقق الشركة أرباحًا؟ بل إلى أي مدى سيرتفع السعر؟

تكرر المشهد قبل الأزمة المالية العالمية. بحلول 2006، كانت نحو 40% من الرهون العقارية الأمريكية تُمنح دون توثيق كامل للدخل، وفق أبحاث الاحتياطي الفيدرالي حول الإقراض عالي المخاطر.


وبالفعل تمت الموافقة على القروض بناءً على افتراض استمرار صعود الأسعار، لا على قدرة المقترضين الفعلية على السداد، واعتبرت المخاطرة أمرًا مستبعدًا.


وفي العصر الحديث، يمثل سوق العملات المشفرة ساحة خصبة لتكوّن الفقاعات حيث تتواجد “بيتكوين” والأصول الرقمية الأخرى في مساحة مالية فريدة لأنها لا تنتج أرباح سنوية، أو تدفع توزيعات أرباح، ولا تولد تدفقات نقدية للشركات التقليدية.


لذلك، فإن المقاييس التقليدية مثل مضاعف الربحية، تعد عديمة الفائدة تماماً في هذا المجال، مما يجعل سوق العملات المشفرة يدخل في فقاعات عنيفة ودورية.


وارتفع سعر بيتكوين من نحو 7 آلاف دولار في أوائل 2020 إلى ما يقارب 69 ألف دولار في نوفمبر 2021، وفق بيانات تاريخية من منصات تجميع الأسعار مثل كوين ماركت كاب.


وخلال الفترة نفسها، سجلت مؤشرات البحث على جوجل ذروة الاهتمام العالمي بعبارة “كيفية شراء العملات المشفرة”.


وتكرر الموقف بين بداية عام 2024 وديسمبر 2024، إذ شهدت “بيتكوين” ارتفاعاً عنيفاً، وقفزت من حوالي 45000 دولار إلى أعلى مستوى لها متجاوزة حاجز الـ100 ألف دولار أمريكي.


وفي حين عزا المشاركون في السوق هذا الارتفاع منطقياً إلى التبني المؤسسي عبر صناديق الاستثمار المتداولة الفورية “سبوت إي تي إف”، إلا أن السرعة المطلقة لزيادة السعر حملت علامات لهوس المضاربة والخوف من تفويت الفرصة.


الهشاشة الخفية


المرحلة الأخيرة من الفقاعة غالبًا لا تكون واضحة للناس، لأنها تحدث في الخلفية داخل النظام المالي نفسه.


قد تظل الأسعار مرتفعة لفترة طويلة، لكن المشكلة تبدأ عندما يكون هذا الارتفاع قائمًا على الاقتراض المفرط، في هذه الحالة، أي هبوط صغير يمكن أن يتحول إلى سقوط سريع وعنيف.


وقبل أزمة 2008، وصلت قيمة القروض العقارية عالية المخاطر التي جرى تحويلها إلى أوراق مالية إلى أكثر من 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2007، بحسب تقرير لجنة التحقيق في الأزمة المالية.

هذه القروض لم تبق في البنوك فقط، بل جرى تجميعها في منتجات مالية معقدة وبيعها للمستثمرين حول العالم. كما تم التأمين عليها عبر عقود ضد التعثر أصدرتها شركات مثل إيه آي جي.


الفكرة كانت توزيع المخاطر، لكن ما حدث فعليًا هو أن المخاطر تراكمت داخل النظام كله. وعندما بدأ المقترضون يتعثرون في السداد، انتشرت الخسائر بسرعة من مؤسسة إلى أخرى.


الأمر نفسه تكرر بشكل مختلف في أزمة 1929، حينها كان كثير من المستثمرين يشترون الأسهم بأموال مقترضة.


وبلغت الديون المستخدمة لشراء الأسهم نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي وفق تقديرات تاريخية للاحتياطي الفيدرالي، أي أن السوق لم تكن مدفوعة بالتفاؤل فقط، بل بالاقتراض أيضًا.


وعندما بدأت الأسعار في الهبوط، اضطر المستثمرون للبيع لتغطية ديونهم، فتسارع الانهيار.


وفي عام 2021، وصلت ديون الهامش في حسابات الوساطة الأمريكية إلى أكثر من 900 مليار دولار، وفق بيانات هيئة تنظيم الصناعة المالية (فينرا). هذا يعني أن جزءًا كبيرًا من التداول كان قائمًا على أموال مقترضة.


في مثل هذه الأجواء، لا يحتاج السوق إلى صدمة كبيرة حتى يتراجع؛ يكفي انخفاض محدود حتى تبدأ عمليات بيع إجبارية تزيد الضغط وتدفع الأسعار إلى مزيد من الهبوط.


ببساطة، كلما زاد الاعتماد على الديون، أصبح السوق أكثر هشاشة. فالاقتراض يضخم الأرباح في أوقات الصعود، لكنه يضخم الخسائر بصورة أكبر عند التراجع.


الفقاعات تهمس قبل أن تنفجر


لا تعلن الفقاعة عن نفسها بصوت مرتفع. إنها تهمس عبر مؤشرات واضحة: تقييمات متضخمة، سلوك جماعي مفرط في التفاؤل، وبنية مالية هشة. كل إشارة بمفردها قد تبدو عادية. لكن اجتماعها يشكل نمطًا متكررًا عبر التاريخ.


الاعتراف بالفقاعة يتطلب شجاعة فكرية ومقاومة الرواية السائدة، وتحليل الأرقام بعيدًا عن الضجيج.


الهدف ليس الانسحاب من الأسواق، بل فهم طبيعة المخاطر عندما تصبح الأرباح معتمدة على الإيمان الجماعي أكثر من اعتمادها على الواقع الاقتصادي.


المصادر: أرقام- الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي- مكتب الإحصاء الأمريكي- إحصاءات هيئة تنظيم الصناعة المالية (فينرا)- كوين ماركت كاب- بنك التسويات الدولية- هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *