التخطي إلى المحتوى

لماذا انفصلت الأسواق عن الواقع؟

بينما تلمع شاشات التداول في وول ستريت باللون الأخضر، محتفيةً بأرقام قياسية لمؤشراتها، يسود القلق في ردهات الاقتصاد الحقيقي؛ إذ تجلس العائلات خلف طاولات الطعام محاولةً ضبط ميزانياتها المنهكة.

 

ومع بداية عام 2026، واصلت البورصة الأمريكية مكاسبها، في حين سجلت مؤشرات الاقتصاد الفعلي بيانات تعكس معاناة المواطنين الاقتصادية، حيث يبدو أن مشهد “السوق” و”الواقع” قد انفصلا تمامًا، وكأنهما يعيشان في كوكبين مختلفين.

 

 

فمن جهة، تضخ ثورة الذكاء الاصطناعي دماءً من التفاؤل في عروق المستثمرين، ومن جهة أخرى، يرزح المستهلك تحت وطأة ديون بطاقات ائتمان تجاوزت تريليون دولار أمريكي، وفائدة بنكية لا تزال مرتفعة.

 

الأمر لا يقتصر فقط على السوق الأمريكي، بل يتكرر بنسخ مختلفة في معظم الاقتصادات الكبرى.

 

ففي أوروبا، لم تمنع حالة الركود الصناعي وضعف الطلب الداخلي أسواق الأسهم من التعافي، بينما في آسيا بدت البورصات أحيانًا أكثر تفاؤلًا من شركات التصدير نفسها.

 

هكذا لم تعد حركة المؤشرات مرآة مباشرة للنشاط الاقتصادي، بل تعد انعكاسًا لتوقعات المستثمرين لما سيحدث لاحقًا، لا لما يحدث الآن.

 

ارتباك المشهد من نيويورك إلى طوكيو

 

بينما نتقدم في الربع الأول من عام 2026، يقدم المشهد المالي العالمي لوحة محيرة.

 

فعلى سبيل المثال، يستمر مؤشر إس آند بي 500 ومؤشر ناسداك في التحليق بالقرب من مستويات قياسية، مدفوعين برواية إيجابية للذكاء الاصطناعي التي لا تهدأ، وانتظار سياسة نقدية أكثر تيسيرًا من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

 

على الجانب الآخر، يرسل اقتصاد “الشارع الرئيسي” الذي يمثل واقع الأسرة المتوسطة، إشارات واضحة على الإنهاك.

 

وبينما حقق مؤشر إس آند بي 500 مكاسب بنسبة 1.4% في يناير 2026، تشير الأرقام الرئيسية مثل معدل البطالة البالغ 4.3% والتضخم المستمر، وإن كان قد تباطأ عند 2.7%، إلى أن الاقتصاد لا يزال يعاني من تحديات أساسية.

 

هذا الانفصال ليس مجرد نزوة في الدورة الحالية؛ بل هو تباعد عميق بين سوق أسهم يتطلع إلى المستقبل ومدفوع بالسيولة، واقتصاد حقيقي يواجه صعوبات ومثقل بالديون.

 

ويعد السبب الأكثر وضوحًا للانفصال بين سوق الأسهم والواقع الاقتصادي هو التركيز الشديد للثروة داخل قطاعات محددة.

 

 

وطوال عام 2025 وحتى أوائل العام الحالي، كانت مجموعة السبعة الكبار في وول ستريت ونظيراتها في أسواق العالم مثل إيه إس إم إل في هولندا وطوكيو إلكترون في اليابان، بمثابة المحرك الوحيد لمؤشرات الأسهم العالمية.

 

فعلى سبيل المثال، في مطلع فبراير 2026، سجل مؤشر نيكاي 225 الياباني مستوى تاريخيًا جديدًا متجاوزًا 42,000 نقطة، رغم أن الاقتصاد الياباني يعاني من انكماش في الاستهلاك المحلي بنسبة 0.5% على أساس سنوي.

 

يعود هذا التباين إلى تركيز المستثمرين على أرباح الشركات العابرة للحدود التي تستفيد من ضعف العملة الوطنية ومن طفرة الرقائق، متجاهلين تمامًا القوة الشرائية المنهكة للمواطن العادي في شوارع طوكيو.

 

وفي أوروبا،  شهد مؤشر داكس الألماني ارتفاعًا بنسبة 6% في يناير 2026، في حين تشير التقارير الصناعية إلى ركود في قطاع التصنيع الألماني بسبب تكاليف الطاقة المرتفعة وتراجع الطلب الصيني.

 

إن هذا التوسع العالمي في انفصال الأسواق يعود إلى أن المستثمرين باتوا يطاردون “النمو الرقمي” في قطاعات الذكاء الاصطناعي، وسط تقييمات لشركات التكنولوجيا تجاوزت في بعض الحالات 35 ضعف الأرباح المستقبلية.

 

ويمكن العثور على أدلة واقعية لهذا الانحراف في المسارات المتباعدة لعمالقة التكنولوجيا مقابل قطاعات الاقتصاد القديم؛ حيث أفادت مؤسسة إس آند بي جلوبال مؤخرًا بأن قطاع اللوجستيات العالمي سجل أعلى عدد من حالات التخلف عن السداد في يناير 2026.

 

رهان الأسواق على تخفيضات الفائدة

 

تعتمد الأسواق المالية بشكل كبير على التوقعات المستقبلية، وهي حاليًا تعيش في حالة رهان كامل على “دورة التيسير” المرتقبة من البنوك المركزية الكبرى.

 

ففي الولايات المتحدة، ورغم تثبيت الفيدرالي لسعر الفائدة في نطاق 3.5%–3.75% في يناير 2026، فإن الأسواق لا تزال تأمل في تخفيض الفيدرالي للفائدة خلال الأشهر المقبلة.

 

وفي لندن وفرانكفورت بدأت الأسواق في تسعير أثر الفائدة المنخفضة لدى البنك المركزي الأوروبي وسط آمال بإمكانية حدوث مزيد من الخفض في حال تدهور البيانات الاقتصادية.

 

 

يفسر هذا التفاؤل استمر مؤشر كاك 40 الفرنسي في الصعود رغم أن معدل البطالة في فرنسا بدأ يزحف نحو 7.8%.

 

المشكلة تكمن في أن الأسواق تحتفي باحتمالية خفض الفائدة، متناسية أن الفائدة المرتفعة التي استمرت طوال عامي 2024 و2025 قد أحدثت بالفعل أضرارًا هيكلية.

 

وفي أوروبا، نجد أن الفجوة في العوائد بين السندات الألمانية والسندات الإيطالية بدأت تتسع مرة أخرى في أوائل 2026، وهي إشارة كلاسيكية إلى القلق بشأن القدرة على تحمل الديون، في ظل ارتفاع غير مبرر لأسهم البنوك الأوروبية الكبرى.

 

وبناء على هذا، تظل الأسواق منفصلة لأنها تفترض أن البنوك المركزية -مثل البنك المركزي الأوروبي- ستتدخل دائمًا لإنقاذ النظام المالي بضخ السيولة (التيسير الكمي).

 

لكن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أن التضخم الأساسي لا يزال عند 2.8% في منطقة اليورو، مما يحد من قدرة البنوك على التحرك بحرية.

 

واليوم، في فبراير 2026، يقف العالم أمام ما يسميه الاقتصاديون “جدار استحقاق الديون العالمي”؛ حيث يتعين على شركات في الولايات المتحدة وأوروبا والأسواق الناشئة إعادة تمويل ديون بقيمة إجمالية تصل إلى 5.2 تريليون دولار خلال هذا العام وحده.

 

هذا الانفصال يتخذ شكلًا خطيرًا عند النظر إلى ديون الأسواق الناشئة؛ فبينما تسجل البورصات في دول مثل الهند والبرازيل مستويات جيدة، تواجه ميزانياتها الحكومية ضغوطًا هائلة بسبب ضعف عملاتها وارتفاع تكاليف خدمة الدين.

 

مرونة الشركات مقابل هشاشة المستهلك

 

أحد الأسباب الرئيسية لانفصال السوق عن الاقتصاد الحقيقي هو الاختلاف الكبير في الوضع المالي بين الشركات والأفراد.

 

فالشركات الكبرى دخلت عام 2026 بميزانيات قوية تاريخيًا، بعدما ثبّتت ديونها طويلة الأجل بأسعار فائدة منخفضة خلال فترة 2020 – 2021، وهو ما سمح لها بالحفاظ على هوامش ربح مرتفعة حتى مع تباطؤ النشاط الاقتصادي.

 

في المقابل، يبدو المستهلك الأمريكي أكثر إنهاكًا من أي وقت مضى، فقد بلغ إجمالي أرصدة بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة نحو 1.18 تريليون دولار مع بداية 2026، بالتزامن مع تراجع معدل الادخار الشخصي إلى مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية عام 2008.

 

 

وهنا تظهر المفارقة فالسوق تحتفي بكفاءة الشركات وخفض التكاليف، وغالبًا عبر تسريح العمال، لكنها تتجاهل أن هذا السلوك نفسه يضعف القوة الشرائية للأسر التي تمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

 

ويعد أوضح مؤشرات هذا الضعف القروض السكنية، فبحسب بيانات جمعية مصرفي الرهن العقاري بالولايات المتحدة، ارتفع معدل التأخر في سداد الرهن العقاري إلى 4.26% بنهاية 2025.

 

كما قفزت حالات التأخر في قروض الإسكان الفيدرالية -وهي الأكثر ارتباطًا بذوي الدخل المنخفض والمتوسط- إلى 11.52%.

 

هذه الأرقام لا تنعكس مباشرة في أداء مؤشر الأسهم، لكنها تشير إلى تباطؤ قادم في الطلب الاستهلاكي سيصل تدريجيًا إلى قطاعات مثل التجزئة والسلع الأساسية.

 

ويظهر هذا التباين بوضوح في قطاع التجزئة؛ فبينما حافظت العلامات الراقية مثل إل في إم إتش وأبل على متانتها، عانت المتاجر المتوسطة ومنخفضة التكلفة، وكان إفلاس ساكس جلوبال إنتربرايزس في يناير 2026 بمثابة إشارة تحذير مبكرة.

 

وما يحدث فعليًا هو اقتصاد على شكل حرف كيه (K) حيث يستفيد أعلى 20% من حيث الدخل من ارتفاع الأصول، بينما يواجه النصف الأدنى ركودًا صامتًا.

 

وبما أن مؤشرات الأسهم الرئيسية تتركز في شركات تخدم الشريحة الأكثر ثراءً، فإنها تقدم صورة أقوى بكثير من الواقع الاقتصادي الذي يعيشه معظم الناس.

 

لكن تاريخ الأسواق يُظهر أن هذا النوع من الانفصال لا يستمر إلى ما لا نهاية. فالسوق يستطيع تجاهل تباطؤ الإنتاج فترة طويلة، لكنه لا يستطيع تجاهل تراجع التدفقات النقدية.

 

في النهاية، لا تقول لنا الأسواق إن الاقتصاد بخير، بل تقول إنها تتوقع أن يصبح بخير لاحقًا.

 

فالمؤشرات اليوم لم تعد مقياسًا للحاضر، بل أداة لقياس المزاج الجماعي للمستثمرين تجاه المستقبل.

 

المصادر: أرقام- جولدمان ساكس ريسيرش- الاحتياطي الفيدرالي- ترانس يونيون- إس آند بي جلوبال ريتينجز- جمعية مصرفي الرهن العقاري- جي بي مورجان جلوبال ريسيرش- مكتب إحصاءات العمل- ناسداك ماركت إنتليجنس

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *