من هوس التوليب للذهب بنكهة الميم .. حين تصبح الملاذات ساحة للمضاربة
في القرن السابع عشر لم يكن أحد في هولندا يتوقع أن زهرة قد تغيّر مفهوم الاستثمار إلى الأبد.

كانت زهرة التوليب تُشترى في البداية لسبب بسيط للغاية وهو الزينة نظرًا لكونها نبتة جميلة نادرة قادمة من الدولة العثمانية، يزرعها الأثرياء في حدائقهم للدلالة على المكانة الاجتماعية، فهي لم تكن سلعة مالية، ولا أصلًا للاستثمار، بل مجرد نبات للمتعة البصرية.
لكن تدريجيًا بدأ الناس يلاحظون أن بعض الأنواع ترتفع أسعارها كل موسم، ثم ظهرت فئة جديدة من المشترين -ليسوا مزارعين ولا نبلاء- بل إنهم تجار يبحثون عن الربح، لم يعودوا يشترون الزهرة لزراعتها، بل لبيعها لاحقًا.
وبعد سنوات قليلة، لم يعد معظم من يشتري التوليب قد رآها بالأساس؛ كانوا يتداولون عقودًا على بصيلات لم تُقتلع بعد من الأرض لتنشأ ظاهرة “هوس التوليب”.
وفي شتاء 1637 وصلت الأسعار إلى مستويات مذهلة لتسجل أول فقاعة اقتصادية موثقة في التاريخ الحديث حيث كانت قيمة بصيلة واحدة من نوع نادر تساوي منزلًا كاملًا في أمستردام، ولم يعد السؤال: هل هي جميلة؟ بل أصبح: هل سيشتريها شخص آخر بسعر أعلى؟
السلعة لم تتغير الذي تغيّر هو سلوك البشر تجاهها حيث الحاجة تحولت إلى تداول، والتداول إلى مضاربة، والمضاربة إلى قصة جماعية.
هذه الظاهرة لم تختف مع الزمن، بل تكررت مرارًا عبر التاريخ، كل مرة مع سلعة أو أصل مختلف، لكن الأكثر إثارة أن هذا التحول لم يقتصر على السلع الجديدة أو الكمالية فقط بل وأصبح يشمل أصولا مثل الذهب الذي احتل لآلاف السنين مكانة نفسية واقتصادية فريدة من نوعها.
فعلى مدار التاريخ خزنت الحضارات المعدن النفيس كقيمة احتياطية، وصكّته الإمبراطوريات عملةً للتبادل، ولا تزال البنوك المركزية الحديثة تحتفظ به كتحوط ضد اضطراب النظام النقدي.
تقليديًا، كان سعر الذهب يتحرك ببطء، متأثرًا بتوقعات التضخم أو مخاوف تدهور العملات أو الأزمات الجيوسياسية، وكان أصلًا مضادًا للمضاربة إذ يلجأ المستثمرون إلى شرائه عندما تصبح المضاربة في الأصول الأخرى خطرة.
لكن خلال العقدين الماضيين وخاصة منذ عام 2020، بدأ الذهب يتصرف بطريقة مختلفة.

وبدأت القوى التي حولت أسهمًا مثل جيم ستوب (GameStop) إلى ظاهرة تداول فيروسية تؤثر في المعادن النفيسة.
ودفعت العديد من العوامل الذهب للمضاربة، مما خلق قفزات سعرية مفاجئة منفصلة عن الأساسيات الاقتصادية.
وحتى المؤسسات الاستثمارية أصبحت تتداول الذهب تكتيكيًا بدل الاحتفاظ به دفاعيًا، لتضاف هوية ثانية للذهب بجانب كونه ملاذًا آمنًا، إذ أصبح أيضًا أصلًا قائمًا على السرديات وقابلًا للمضاربة.
من مرساة نقدية إلى أصل قابل للمضاربة
تاريخيًا، كان الذهب يتبع علاقات اقتصادية كلية واضحة، فعلى سبيل المثال خلال تضخم السبعينيات، أدى انهيار نظام “بريتون وودز” إلى ارتفاع ضخم حيث صعد الذهب من 35 دولارًا للأونصة عام 1971 إلى نحو 850 دولارًا في يناير 1980.
هذه الزيادة التي قاربت 2300% جاءت مدفوعة بتراجع قيمة العملات ومخاوف التضخم بحسب بيانات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وتكرر النمط لاحقًا بعد الأزمة المالية العالمية، فمع التيسير النقدي القوي ارتفع الذهب من نحو 700 دولار في أواخر 2008 إلى حوالي 1920 دولارًا في سبتمبر 2011، ومرة أخرى تسببت الأوضاع الاقتصادية في صعود المعدن الأصفر.
لكن بعد 2020 بدأ السلوك السعري ينفصل عن العلاقات التقليدية، فخلال صدمة الجائحة ارتفع الذهب من نحو 1520 دولارًا في يناير 2020 إلى قرابة 2075 دولارًا في أغسطس 2020 كملاذ آمن طبيعي.
لكنه لم يستقر بعدها كما في الدورات السابقة، بل ارتفعت التقلبات وزادت المضاربات قصيرة الأجل بشكل واضح، وكانت أحد الأسباب في هذا هو التغير الهيكلي الذي شهده المعدن النفيس مما جعله أسهل في المضاربة من أي وقت مضى.
وأسهمت الصناديق المتداولة مثل إس بي دي آر غولد شيرز في هذا التحول، فبحلول 2020 كان الصندوق يحتفظ بأكثر من 1580 طنًا من الذهب، ليصبح من أكبر حائزي الذهب عالميًا، بحجم يقارب بنكًا مركزيًا كبيرًا.

وأصبح بإمكان المستثمر تداول الذهب خلال اليوم مثل أسهم البورصة، وفي الوقت نفسه أعادت منصات التداول المجاني والمنتديات الرقمية تشكيل الصورة الذهنية للذهب، فلم يعد مجرد تحوط طويل الأجل، بل أصبح جزءًا من لعبة التداول.
آلية الميم ودخول المتداولين الأفراد لسوق الذهب
في أوائل 2021 حاولت منتديات التداول تنفيذ “ضغط شراء” على الفضة بعد الصعود الفيروسي لسهم جيم ستوب، ورغم أن الفضة كانت الهدف المباشر، ارتفعت أحجام تداول الذهب أيضًا بقوة مع بحث المتداولين عن الضغط التالي.
وارتفعت أحجام عقود الذهب في كومكس، كما قفز اهتمام المستثمرين الأفراد بصناديق الذهب المتداولة وفق إحصاءات مجموعة سي إم إي خلال فبراير 2021، وسجلت عمليات البحث عن شراء صناديق الذهب أحد أعلى مستوياتها منذ 2008
.
ويبدو أن الأمر يتكرر مؤخرًا، مما دفع مؤسسة كابيتال إيكونوميكس للتحذير في مذكرة بحثية الأسبوع الماضي من أن الطلب المتزايد على الذهب في الصين بات يشبه سلوك المضاربة أكثر من كونه ملاذًا آمنًا، مما يزيد من مخاطر حدوث اضطرابات إضافية في السوق.
وبحسب محلل المؤسسة، فإن التوسع في استخدام الرافعة المالية والمضاربة عبر العقود المستقبلية في الصين، يشير إلى أن الطفرة الأخيرة في الطلب الصيني ليست سوى انعكاس لفقاعة مضاربة آخذة في التضخم.
وترى المؤسسة أن هذه الديناميكية “ستسهم على الأرجح في رفع مستويات التذبذب في سوق الذهب”.
وتصاعدت المخاوف بشأن تأثير الصين على تقلبات الأسعار العالمية؛ مما دفع وزير الخزانة الأمريكي، “سكوت بيسنت”، لوصف تداولات الذهب الصينية مؤخرًا بأنها “غير منضبطة”، وشبّه هذه التحركات بـ”انفجار مضاربة كلاسيكي”.
ومع ذلك، أكدت المؤسسة أن المستثمرين الغربيين لعبوا أيضًا دورًا بارزًا، مستشهدة بـ”التدفقات نحو صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) المدعومة بالذهب في الغرب” وارتفاع متطلبات الهامش في الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، شددت كابيتال إيكونوميكس على أن طلب المستثمرين الصينيين الأفراد لا يزال يمثل “تأثيرًا جوهريًا على الأسعار”.

وفي حين تراجع استهلاك المجوهرات مع وصول الأسعار إلى مستويات تاريخية، ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية بنسبة 35% على أساس سنوي في عام 2025.
كما زادت حيازات صناديق الذهب الصينية بأكثر من 40% خلال النصف الأول من 2024 بحسب تقرير مجلس الذهب العالمي للسوق الصينية، وهو سلوك أقرب لدورات أسهم الميم منه للطلب التحوطي التقليدي.
وفي دول مثل تايلاند وفيتنام تسمح تطبيقات التداول بالمضاربة على الذهب، مما رفع أحجام التداول في بورصة تايلاند للعقود الآجلة للمعدن الأصفر.
وخلال فترات التقلب في عامي 2023 و2024، ارتفعت أحجام التداول في بورصة تايلاند للعقود الآجلة للمعدن الأصفر بأكثر من 70% مقارنة بالفترات نفسها قبل عام.
الملاذ الآمن يتحول إلى صفقة تكتيكية
أصبحت المؤسسات المحرك الأكبر لتضخيم التأثير، ولم تعد صناديق التحوط الحديثة تتعامل مع الذهب كتحوط طويل الأجل، بل كأداة تداول ديناميكية تدخل وتخرج حسب توقعات الفائدة والسيولة.
ففي 2022 بدأ الاحتياطي الفيدرالي دورة رفع فائدة قوية، ما دفع الذهب للهبوط من نحو 2050 دولارًا في مارس إلى حوالي 1620 دولارًا في سبتمبر.
لكن هذه التحركات لم تكن فقط نتيجة السياسة النقدية؛ إذ خفّضت الصناديق المرفوعة مراكزها بسرعة، وانخفض صافي المراكز الطويلة المضاربية بأكثر من 60%، ما جعل الذهب يتصرف كصفقة مالية أكثر منه كخزان للقيمة.
وعكست تدفقات صناديق الذهب هذا المزاج بشكل واضح فمثلًا شهد المعدن دخولا قياسيا تجاوز 877 طنًا في 2020، تلاه خروج يفوق 170 طنًا في 2021، ثم تقلبات مستمرة خلال 2022 حسب توقعات الفائدة، مما أبرز سرعة التغير غير المسبوقة في سلوك السوق.
نعم لم يفقد الذهب مكانته كملاذ آمن، لكنه لم يعد أصلًا محايدًا كما كان تاريخيًا، فقد تغير دوره من كونه مجرد انعكاس للمخاطر الاقتصادية إلى عنصر يتأثر بحسابات النفوذ والتمركزات العالمية.
وبين السياسة والمضاربة، يتحرك سعره اليوم بين قرارات البنوك المركزية وتدفقات المتداولين، فتتشابك اعتبارات الاستقرار النقدي مع سلوك السوق قصير الأجل.
لهذا لم يعد ارتفاع الذهب أو تراجعه تفسيرًا اقتصاديًا خالصًا، بل قراءة مزدوجة لمزاج المستثمرين وموازين القوى في النظام المالي الدولي.
المصادر: أرقام- مجلس الذهب العالمي- رابطة سوق السبائك في لندن- الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- مجموعة سي إم إي- لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية- كابيتال إيكونوميكس- بورصة تايلاند للعقود الآجلة
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات