التخطي إلى المحتوى

هل أصبح الجنون واقع الأسواق الجديد؟

يُقال إن ملكًا كان يحكم مدينة مزدهرة تعتمد على بئر واحدة يشرب منها الجميع، حتى جاءت ساحرة وألقت تعويذة سحرت بها مياه البئر، فصار كل من يشرب منها يُصاب بجنونٍ غريب، فيرى الأمور مقلوبة ويفقد المنطق تمامًا.

 

ولأنها البئر الوحيدة شرب أهل المدينة كلهم منها، فبدأوا يتصرفون بطريقة فوضوية، وبدأوا يتذمرون من تصرفات ملكهم الذي لطالما أُعجبوا به.

 

وهنا أدرك الملك أن العقل في مدينةٍ مجنونة يصبح عيبًا لا ميزة، وقرّر أن يشرب هو أيضًا من ماء البئر، فأصبح مثلهم وعاد الهدوء للمدينة.

 

 

حتى الملاذ الآمن

 

ويبدو الوضع في الأسواق خلال الفترة الماضية كما لو كان كثيرون شربوا من البئر “الملعونة”.


فحتى ما يوصف بالملاذ الآمن بسبب اضطراباته الأقل وتحركاته السعرية البطيئة مقارنة بالأسهم، شهد انخفاضًا بنسبة تقارب 20% في أقل من يومين نهاية يناير، وكان المحرك لهذا الانخفاض وفقًا لغالبية المحللين اختيار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لـ”كيفن وارش” كمرشح لرئاسة الفيدرالي خلفًا لـ”باول”.

 

فهل ترشيح “وارش” كافٍ من أجل هذا التراجع الحاد بقوة؟.. يجب مقارنة هذا التراجع بالتراجعات السابقة للمعدن الأصفر للإجابة عن هذا السؤال.

 

ففي عام 2013 تدخلت عدة عوامل ضغطت على السوق دفعة واحدة، أبرزها خفض المؤسسات المالية الكبرى لتوقعاتها السعرية للذهب، ما أحدث صدمة ثقة وولّد موجة بيع واسعة قادتها صناديق الاستثمار، خاصة مع تفعيل مستويات وقف الخسارة عند كسر مستويات سعرية محددة.

 

كما تزامن ذلك مع تصاعد توقعات تقليص برنامج التيسير الكمي في الولايات المتحدة، وهو ما رفع عوائد السندات وقوّى الدولار، الأمر الذي قلّل جاذبية الذهب كأصل تحوّطي، ودفع المتداولين نحو تصفية مراكزهم بوتيرة أسرع من المعتاد.

 

هشاشة الحاضر

 

أما في يناير 1980 فقد بلغ الذهب قمة تاريخية عند 850 دولارًا للأونصة قبل أن يتراجع بسرعة بفعل تغيّر السياسة النقدية الأمريكية، إذ اتخذ الاحتياطي الفيدرالي آنذاك بقيادة “بول فولكر” نهجًا صارمًا لكبح التضخم الجامح عبر رفع أسعار الفائدة بقوة، مما أدى إلى وصول الفائدة إلى 19-20%، وهو مستوى تاريخي.

 

هذا الارتفاع الكبير في الفائدة الأمريكية قلّل جاذبية الذهب مقارنة بالأدوات ذات العائد المرتفع، ودفع المستثمرين إلى الخروج من سوق المعدن النفيس للتحول نحو الأصول النقدية والسندات، الأمر الذي شكّل نقطة الانعكاس الأولى في مسار الذهب بعد موجة صعود طويلة.

 

وقد كان هذا الانخفاض كبيرًا، إذ تراجع الذهب بنحو 50% تقريبًا خلال الفترة التي تلت ذروته في 1980، وهو ما يُعدّ أكبر التصحيحات في تاريخ المعدن.

 

 

لذا فعند مقارنة السبب الذي أدى لانهيار نهاية يناير الماضي مع أسباب تراجعي 2013 و1980، يبدو العامل الذي دفع السوق للتراجع معتبرًا، ولكنه بعيد تمامًا عن التأثيرات الأعمق التي شهدتها التراجعات السعرية السابقة، ويؤشر بوضوح إلى مدى هشاشة السوق وإمكانية بدء تحولات في اتجاه السوق بناءً على تطورات ليست محورية.

 

الأسهم وبيتكوين أيضًا

 

وما ينطبق على الذهب امتد إلى عالم العملات الرقمية، فعندما بدأت الأخيرة في اللمعان كان الحديث الرئيسي يدور حول “أصل مُغامر”، لأنه لا يستند إلى أي أسس ملموسة في التقييم والتوقعات، بل يدور وجودًا وعدمًا مع ميل ملاكه والراغبين في شرائه، أي أنه عرض وطلب غير قائمين على أسس يمكن توقعها، باستثناء بعض التحليلات الفنية التي لا ترتكز إلى قواعد واضحة.

 

ولكن مع استقرار العملات الرقمية، ولا سيما “البيتكوين”، لفترات طويلة، بدأ مروجو العملات الرقمية في الحديث عنها بوصفها “الذهب الإلكتروني” أو أنها ملجأ موثوق ومخزن للقيمة، وهي سردية لا يدعمها لا طبيعة العملات كأصل، ولا حقيقة احتكار قلة لغالبية المتاح منها.

 

ولكن تراجع “البيتكوين” كان أكثر حدة، وإن لم يكن في جلسة واحدة مثل الذهب، فالعملة الرقمية بلغت قمة سعرية عند 122  ألف دولار في أول أكتوبر 2025 قبل أن تتراجع إلى 61  ألفًا في 6 فبراير، أي أنها فقدت قرابة 50% من قيمتها في أربعة أشهر.

 

وكان السبب الذي ساقه المحللون أيضًا هو ترشيح “وارش”، ويبدو ذلك أيضًا سببًا واهيًا لهذا التراجع، خاصة مع دعم إدارة “ترامب” الواضح للعملات الرقمية، فضلًا عن المخاطر السياسية والاقتصادية، وتلك المتعلقة بفقاعة الذكاء الاصطناعي، التي تدفع البعض لامتلاك العملات الرقمية ضمن مساعي تنويع الأصول في أوقات عدم اليقين.

 

ولم تكن سوق الأسهم ببعيدة عن حالة “غياب المنطق” التي سادت في سوقي الذهب والعملات الرقمية، ولعل في تحركات أسهم شركتي “أبل” و”أمازون” الأخيرة خير دليل على ذلك.

 

فأعلنت الشركتان عن نتائج ممتازة للربع الرابع من 2025، بل وحققت “أمازون” نتائج تفوق التوقعات، لا سيما في قطاع الخدمات السحابية.

 

 

ولكنّ الشركتين أعلنتا عن نوايا للاستثمار في الذكاء الاصطناعي تفوق توقعات السوق، حيث قررت “ألفابت” ضخ 180 مليار دولار في هذا القطاع في 2026 مقارنة بنصف المبلغ في 2025، بينما قررت “أمازون” ضخ 200 مليار دولار في العام نفسه.

 

غياب للمنطق

 

وجاء استقبال السوق بانخفاض تراوح بين 5-7%، على الرغم من أن مضاعف ربحية الشركتين المرتفع (فوق 30) مرتبط بالأساس بـ”الآمال” في تحقيق اختراقات في مجال الذكاء الاصطناعي، لذا كان من المفترض أن تدعم قرارات الشركتين بزيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سعر السهم لا العكس، حتى وإن خالفت توقعات السوق.

 

ويبدو أن ما يُثار حول مخاوف من تأثير الاستثمارات القياسية في انخفاض السيولة أيضًا وتسببها في انخفاض سعر السهمين مستبعد تمامًا في حالة “أمازون”، في ظل امتلاكها قرابة 123 مليار دولار من الأموال السائلة والاستثمارات سهلة التسييل، بما يجعل تلك الاستثمارات قابلة للتطبيق (بغض النظر عن عوائدها المحتملة).

 

وتبلغ مستويات السيولة نفسها لدى “أبل” قرابة 67 مليار دولار، بما يجعل لجوءها إلى الاستدانة مرجحًا، ولكن إقبال المصارف على ضخ أموالها لصالح شركات الذكاء الاصطناعي يبقى كبيرًا، ووضع الديون في الشركتين يبقى آمنًا على الرغم من تخطيها مبلغ 100 مليار دولار في حالة “أمازون”.

 

لذا فإن رد فعل السوق على قرارات التوسع في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يكن منطقيًا بحال، فالمستثمر الذي يراهن على وفورات الذكاء الاصطناعي المنتظرة مستقبلًا (ويتجاهل تحذيرات الفقاعة) ويحتفظ بأسهم ذات مضاعف ربحية مرتفع أملًا في المستقبل، قرر بيع هذه الأسهم عندما تأكدت النية في التوسع في هذا الاستثمار.

 

تقلبات أسرع وأشد حدة

 

وحتى في السندات الأمريكية، التي تُعد –نظريًا– أحد الملاجئ الآمنة، فقد شهدت ارتفاعًا في سعرها وتراجعًا في الفائدة مع ترشيح “وارش”، غير أنها عادت إلى التذبذب لاحقًا.

 

واللافت أنه في أنواع الأصول كافة، فإن التقلبات داخل الجلسة الواحدة أو على نطاق اليوم الواحد أصبحت أشد حدة، بما يؤكد أكثر من نقطة، أهمها سيادة منطق المضاربة والعمليات الآلية على الاستثمار طويل المدى، بما يؤدي إلى عكس اتجاه السوق بشكل مستمر في نطاق ساعات أو حتى دقائق، فضلًا عن الهبوط الحاد ثم الصعود المقابل بسبب أوامر وقف الخسارة الجزئية.

 

 

والشاهد أنه في التطورات الأخيرة بدا المشهد كما لو كان “الكاش” يخرج من أسواق الأصول كلها، فيتراجع الذهب والبيتكوين والأسهم سويًا، في مشهد غير معتاد تقليديًا، أو يعود إلى الأسواق ليرتفعوا مجتمعين أيضًا.

 

والسؤال المهم هنا: هل هذا “الجنون” في الأسواق مستمر أم أنه سيتراجع؟

 

يبدو أن حالة من “غياب المنطق” ستستمر في الأسواق في الفترة المقبلة، ولهذا العديد من الأسباب، أولها سيادة منطق المضاربات، وهو ما ظهر واضحًا في حالة سوق الذهب بشكل صارخ، والذي يُفترض أن يكون بعيدًا –إلى حد ما– عن المضاربات.

 

كما أن الاستثمارات التي تقوم على الذكاء الاصطناعي وتتم بشكل آلي أو شبه آلي، وتشير التقديرات إلى أنها قد تبلغ 60%  من تحركات الشركات الكبرى في الأسهم الأمريكية، تتحرك هي الأخرى مع حالات الشراء والبيع الواسعة، بما قد يدعم تلك الموجات أحيانًا أو يحد منها أحيانًا أخرى.

 

هذا فضلًا عن تأثيرات استمرار دخول جيل “زد”، الأكثر ميلًا إلى الاستثمارات القصيرة والمضاربات، على السوق، وأيضًا التطبيقات التي تربط بين منصات يتم فيها تداول مختلف أنواع الأصول.

 

لذا، فإنه مع سيادة حالة من غياب المنطق، والتقلبات العنيفة، المشابهة لتلك التي سادت في المدينة بعد الشرب من البئر، فإن كثيرين يندفعون معها بوصفها الحل الوحيد للتماهي مع ما يحدث، وحتى يصبح “التيار” صديق المتداول.

 

ولكن تزايد عدد الملتحقين بتيار غير عقلاني يُغذّيه ويجعل انقلابه الحتمي –آجلًا أو عاجلًا– أشد تأثيرًا، لذا فإن الابتعاد التام عن البئر، والعودة إلى أساسيات التحليل، والتحفظ في التحركات، والتنويع في المحافظ، هي السبيل الوحيد لتجنب تأثير “اللامنطق”.

 

المصادر: أرقام- إيكونوميست- وول ستريت جورنال- ياهو فاينانس- مورنينج ستاربلومبرج

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *