التخطي إلى المحتوى

تواجه السياحة المصرية لحظة فارقة تفرض إعادة تعريف مفهوم النجاح في هذا القطاع الحيوي، فلم يعد المعيار الأهم هو عدد السائحين القادمين فقط، بل حجم العائد المتحقق من كل زائر، وجودة التجربة التي تدفعه للإنفاق لفترة أطول وعلى خدمات ذات قيمة مضافة أعلى.

وبينما تمتلك مصر مقومات تاريخية وطبيعية استثنائية، تشير دراسات استراتيجية إلى أن العائد الحقيقي ما زال دون الإمكانات، وأن هناك فرصة ذهبية غير مستغلة يمكن أن تعيد رسم خريطة إيرادات السياحة في مصر بالكامل إذا ما اقترنت بإصلاحات تنظيمية وتكنولوجية مدروسة.

تحول من “سياحة الأعداد” إلى “سياحة القيمة”

وكشفت دراسة صادرة عن شركة «انطلاق» للدراسات الاستراتيجية أن نقطة التحول الجوهرية تكمن في رفع متوسط إنفاق السائح، وليس فقط زيادة تدفقاته العددية، ووفقًا لتقديرات الدراسة، فإن دمج ممارسات الاستدامة داخل المنظومة السياحية، بالتوازي مع تقديم تجارب سياحية مدعومة بالواقع المعزز وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يرفع إنفاق السائح في مصر بنسبة تصل إلى 60%، ليبلغ نحو 1800 دولار للفرد بحلول عام 2030.

مصر ممكن تزود عائدات السياحة 60% بإصلاحات بسيطة.. هنقولك إزاي دا ممكن يحصل

هذا التحول يرتبط بتغير عميق في سلوك السائح العالمي، الذي بات يميل إلى التجارب الغامرة والتفاعلية، ويبحث عن محتوى ثقافي وبيئي أصيل، مدعوم بأدوات رقمية تعزز الفهم والمتعة في آن واحد، وعليه، فإن تطوير المتاحف والمواقع الأثرية بمسارات تفاعلية رقمية، وتقديم خدمات إرشاد ذكية، وتصميم تجارب مخصصة، لم يعد رفاهية، بل أداة مباشرة لرفع العائد الدولاري من السائح.

السياحة الخضراء.. بوابة لمليارات الدولارات

تضع الدراسة سوق السفر الأخضر العالمي في صدارة الفرص القابلة للاقتناص، إذ يقدر حجمه بنحو 400 مليون دولار، وتشير التقديرات إلى أن جذب ما بين 5% و7% فقط من هذه السوق يمكن أن يضيف ما بين 20 إلى 25 مليار دولار إلى الإيرادات السياحية المصرية.

هذه الأرقام تعكس وزن شريحة متنامية من المسافرين تضع الاستدامة في مقدمة قراراتها، ما يعني أن التحول نحو فنادق منخفضة الانبعاثات، ومنتجعات صديقة للبيئة، وتوسيع السياحة في المحميات الطبيعية، لم يعد مجرد توجه بيئي، بل مسار اقتصادي مباشر لزيادة الإيرادات، كما أن دمج المجتمعات المحلية في الأنشطة السياحية يعزز الطابع الأصيل للتجربة، ويزيد استعداد السائح للإنفاق على منتجات وخدمات محلية.

تنويع المنتج السياحي مضاعفة لمصادر الدخل

وتعكس الدراسة أن أحد أسباب محدودية متوسط الإنفاق يرتبط بتركيز التجربة السياحية في أنماط تقليدية محدودة، ومن ثم، فإن التوسع في السياحة العلاجية، وسياحة المغامرات، والسياحة الثقافية التفاعلية، وسياحة المؤتمرات والفعاليات، يفتح المجال أمام شرائح ذات قدرة إنفاقية أعلى، ويطيل مدة الإقامة، ويقلل من موسمية الطلب، بما يخلق تدفقات إيرادية أكثر استقرارًا.

ماذا تحتاج السباحة المصرية لزيادة الإيرادات؟

على المستوى المؤسسي، توصي الدراسة بإتاحة الرخص الرقمية لشركات السياحة، باعتبارها خطوة استراتيجية لتقنين أوضاع الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في القطاع، وهذا المسار لا يوسع فقط القاعدة الرسمية للنشاط، بل يرفع مستوى الشفافية، ويمنح هذه الكيانات فرصة الوصول إلى التمويل.

مصر ممكن تزود عائدات السياحة 60% بإصلاحات بسيطة.. هنقولك إزاي دا ممكن يحصل

وتقدر الدراسة أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح المجال أمام تدفقات من رأس المال المغامر تصل إلى نحو مليار دولار سنويًا، موجهة إلى الشركات السياحية الناشئة ومقدمي الحلول التكنولوجية، ما يسرّع التحول الرقمي ويرفع تنافسية القطاع.

معادلة جديدة لعوائد السياحة في مصر

تعكس هذه الرؤية تحولًا استراتيجيًا في فلسفة إدارة السياحة المصرية: من سباق على الأعداد إلى سباق على القيمة، فحين ترتبط الاستدامة بالتكنولوجيا، ويقترن التنويع بالإصلاح التنظيمي، يصبح رفع إنفاق السائح مسارًا واقعيًا، لا مجرد هدف طموح، وفي هذه المعادلة، لا تقاس قوة القطاع بعدد الزوار فقط، بل بقدرته على تحويل كل زيارة إلى تجربة ثرية، وعائد اقتصادي مضاعف، وموقع أكثر تقدمًا على خريطة السياحة العالمية.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *