
لم يكن ملف مديونيات الشركاء الأجانب في قطاع البترول مجرد أرقام على الورق، بل كان أزمة حقيقية تهدد أحد أهم أعمدة الاقتصاد المصري. لسنوات، تراكمت المستحقات، ومعها تراجعت شهية الشركات العالمية للاستثمار، فتباطأت عمليات البحث والاستكشاف، وبدأ الإنتاج المحلي يفقد زخمه تدريجيًا.
يشرح المهندس أسامة كمال وزير البترول الأسبق، المشهد قائلاً إن الشريك الأجنبي ينظر إلى مناطق عمله باعتبارها “مركز تكلفة”، فإذا لم تغطِ الإيرادات حجم المصروفات، يتوقف فورًا عن ضخ استثمارات جديدة. ومع تراكم الديون، كان هذا التوقف حتميًا، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج واضطرار الدولة لسد الفجوة عبر الاستيراد.
خلال مداخلة هاتفية ببرنامج الحياة اليوم، مع الاعلامية لبنى عسل، أكّد الاستيراد لم يكن خيارًا مريحًا. فبحسب كمال، تتراوح تكلفة الإنتاج المحلي بين 6 و12 دولارًا للوحدة، بينما تصل تكلفة الاستيراد إلى 14 دولارًا في الظروف العادية، وقد تقفز إلى 22 دولارًا في أوقات الأزمات العالمية. هذا الفارق الكبير شكّل ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.
أمام هذا الواقع، اتخذت الدولة قرارًا استراتيجيًا بتغيير المعادلة: بدلاً من استنزاف الموارد في الاستيراد، تم توجيه جزء منها لسداد مستحقات الشركاء الأجانب. وجاء هذا التوجه بدعم مباشر من عبد الفتاح السيسي، الذي وجّه بإنهاء هذا الملف خلال فترة زمنية محددة، ما أعاد الثقة سريعًا بين الحكومة والشركات العالمية.
وبالفعل، بدأت النتائج في الظهور. عادت الشركات لضخ استثمارات جديدة، وظهرت مؤشرات إيجابية تمثلت في اكتشافات بترولية واعدة، من بينها تحركات لشركة إيني في عدة مناطق. كما عادت مناطق قديمة مثل دلتا النيل إلى دائرة الاهتمام من خلال تطبيق تقنيات حديثة لرفع كفاءة الإنتاج.
المثير في الأمر، كما يكشف كمال، أن ما تم استخراجه من آبار البترول في مصر منذ أكثر من قرن لا يتجاوز 30% إلى 40% من إجمالي احتياطاتها. ويعني ذلك أن الجزء الأكبر لا يزال في باطن الأرض، لكنه يحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة مثل حقن الآبار بالمياه أو الغاز أو البخار لاستخراجه، وهي عمليات تصبح مجدية اقتصاديًا مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة. فبعد أن كان القطاع يواجه تحديات التمويل والاستثمار، أصبح أمام فرصة جديدة للنمو، مدعومًا بثقة الشركاء وعودة الاستكشافات. وبينما لا تزال التحديات قائمة، فإن إدارة ملف المديونيات تمثل نموذجًا لكيفية تحويل الأزمات إلى فرص.
وفي النهاية، يظل الرهان الأكبر على ما تخبئه الأرض من ثروات، وعلى قدرة الدولة في استثمارها بكفاءة، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويقلل الاعتماد على الخارج في قطاع حيوي لا يحتمل التباطؤ.
