التخطي إلى المحتوى

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، تقف الاقتصادات العربية أمام اختبار قاسٍ، مع تقديرات صادمة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى خسائر محتملة تقترب من 200 مليار دولار نتيجة تداعيات الحرب مع إيران.

الأرقام تعكس صورة مقلقة؛ إذ يُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة بنسبة تتراوح بين 3.7% و6%، بما يعادل خسائر تتراوح بين 120 و194 مليار دولار، مع تركز الضربة الأقوى في دول الخليج والمشرق، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

في دول الخليج، التي تُعد الأكثر انفتاحًا على الاقتصاد العالمي، قد تصل الخسائر إلى ما بين 103 و168 مليار دولار، مع احتمالات تراجع الناتج بنسبة تصل إلى 8.5%. أما في المشرق، فالصورة لا تقل قتامة، مع انكماش متوقع يقترب من 8.7%، مدفوعًا باضطراب التجارة وتقلبات أسعار الطاقة.

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، بدأت التداعيات تتجاوز المؤشرات الاقتصادية لتضرب قلب البنية التحتية وسلاسل الإمداد. ففي قطر، توقفت عمليات في مرافق رأس لفان، أحد أهم مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال عالميًا، بينما شهد ميناء صحار في عُمان تعليقًا احترازيًا للأنشطة بعد حوادث أمنية.

وفي الإمارات، تأثرت حركة الشحن بشكل مباشر، حيث علّقت موانئ دبي العالمية عملياتها مؤقتًا في ميناء جبل علي، قبل استئنافها لاحقًا، في ظل تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. هذا التراجع دفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، مع ارتفاع تكاليف التأمين والنقل وتأخر سلاسل التوريد.

لكن التأثير لا يقف عند حدود الأرقام والبنية التحتية؛ إذ يحذر التقرير من تداعيات اجتماعية واسعة، قد تشمل فقدان نحو 3.6 مليون وظيفة، وارتفاع معدلات البطالة بما يصل إلى 4 نقاط مئوية، إضافة إلى انزلاق نحو 4 ملايين شخص إلى دائرة الفقر.

في مواجهة هذا المشهد الضاغط، بدأت بعض الدول التحرك سريعًا. ففي دبي، تم إطلاق حزمة دعم اقتصادي بقيمة مليار درهم لمساندة الشركات والأسر، بالتوازي مع إجراءات من المصرف المركزي لضخ السيولة وتسهيل الائتمان. كما اتخذت قطر خطوات مماثلة، عبر تأجيل أقساط القروض وتوفير تسهيلات مالية إضافية، في محاولة لاحتواء الصدمة والحفاظ على الاستقرار المالي.

وبين أرقام الخسائر وتسارع الإجراءات، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار التوترات، ما يضع الاقتصادات العربية أمام تحدٍ غير مسبوق بين احتواء الأزمة وتفادي تداعياتها الأعمق.