
يواجه سوق العمل في مصر تحدياً هيكلياً يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لملايين الأسر، حيث كشفت الدراسات والبيانات الميدانية عن فجوة هائلة بين حجم العمالة الحقيقية والتعيينات الرسمية داخل منشآت القطاع الخاص.
وبينما يمثل هذا القطاع القوة الضاربة في الاقتصاد بتشغيله نحو 80% من القوى العاملة، تشير الوقائع إلى أن الغالبية العظمى من الشركات والمصانع باتت تتبع سياسة “التقطير” في التعيينات الرسمية، لتكتفي بتثبيت نسبة ضئيلة لا تتجاوز 10% من كوادرها، بينما تترك الـ 90% المتبقية في مهب ريح العمل غير الرسمي بلا عقود أو تأمينات.
هذا المشهد ليس مجرد أرقام صماء، بل هو واقع مرير يعيشه ملايين الشباب الذين يجدون أنفسهم داخل مؤسسات كبرى ومنشآت مرخصة، ومع ذلك يعاملون كـ “عمالة يومية” أو مؤقتة، مما يحرمهم من أدنى معايير الأمان الوظيفي ويجعلهم خارج مظلة الحماية الاجتماعية التي كفلها القانون.
لغة الأرقام.. واقع “خارج المظلة”
وتؤكد الإحصاءات الرسمية الصادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء، مدعومة بدراسات دولية، أن “الاستثناء” في مصر أصبح هو التعيين الرسمي، بينما “القاعدة” هي العمل غير المنظم:
نزيف التأمينات:
تشير البيانات إلى أن أكثر من 50% من العاملين في المنشآت الخاصة المسجلة يعملون بدون عقود عمل مكتوبة أو حماية تأمينية، وهو ما يعني أن كون الشركة “رسمية” لا يضمن بالضرورة أن عمالها “رسميون”.
أزمة جيل:
الصدمة الحقيقية تكمن في فئة الشباب (15-24 سنة)، حيث تصل نسبة العمالة غير الرسمية بينهم إلى نحو 90%، مما يعني أن الجيل الجديد يبدأ حياته المهنية بلا أي حقوق تراكمية أو معاشات مستقبلية.
توسع القطاع غير الرسمي:
تشير التقديرات إلى أن نحو 95% من الوظائف التي يتم استحداثها سنوياً في السوق المصري تقع خارج إطار الحماية الاجتماعية، مما يعزز من سيطرة “اقتصاد الظل” على حساب العمل المنظم.
لماذا يفضل أصحاب الأعمال “الالتفاف” على القانون؟
ويرجع خبراء الاقتصاد لجوء الشركات لتعيين نسبة الـ 10% فقط رسمياً إلى رغبتها في خفض التكاليف التشغيلية بأي ثمن، وذلك من خلال:
الهروب من الحصة التأمينية:
التعيين الرسمي يلزم صاحب العمل بدفع مبالغ دورية للتأمينات الاجتماعية، وهي مبالغ تفضل الشركات الاحتفاظ بها كأرباح بدلاً من ضخها في صناديق الحماية الاجتماعية للعمال.
سهولة “الاستغناء”:
تمنح العمالة غير المؤمن عليها صاحب العمل ميزة “التسريح الفوري” دون الحاجة للدخول في تعقيدات المحاكم العمالية أو دفع تعويضات نهاية الخدمة، وهو ما يوفر للشركات مرونة قاسية في إدارة الموارد البشرية.
تكتيك “الموردين”:
تعتمد المصانع الكبرى بشكل متزايد على شركات “توريد عمالة” أو مقاولين باطن، لتتنصل من مسؤوليتها القانونية المباشرة تجاه العامل، وتجعل العلاقة التعاقدية هشة وغير ملزمة.
ضياع المليارات.. فاتورة يدفعها الجميع
ويرى الخبراء إن استمرار هذا الوضع يمثل خسارة فادحة لكافة أطراف المنظومة:
على مستوى الدولة:
تضيع مليارات الجنيهات سنوياً كان من المفترض أن تدخل خزينة الدولة في صورة ضرائب دخل ومساهمات تأمينية، مما يضعف قدرة الدولة على تمويل المعاشات وتطوير منظومة التأمين الصحي الشامل.
على مستوى العامل:
يفتقر العامل لأي حماية ضد إصابات العمل، أو العجز، أو الشيخوخة، كما يجد صعوبة في الحصول على قروض بنكية أو تسهيلات ائتمانية لعدم وجود “مفردات مرتب” أو عقد ثابت، مما يقتله مهنياً واجتماعياً.
خلاصة القول، إن ما يشهده سوق العمل حالياً هو “التفاف ممنهج” يفرغ قانون العمل من مضمونه؛ فبينما تكتظ المصانع بالعمال، تظل الدفاتر الرسمية شبه خاوية، ليبقى الأمان الوظيفي حلماً لـ 10% فقط، بينما يظل الـ 90% الآخرون “أشباحاً” في سجلات التأمينات، ومجرد أرقام في حسابات الربح والخسارة لأصحاب الأعمال.

التعليقات