
عادت سندات الخزانة الأمريكية إلى صدارة المشهد المالي العالمي، ليس فقط كأداة دين حكومي، بل كمرآة تعكس حجم القلق الذي يسيطر على المستثمرين في ظل تصعيد جديد للحرب التجارية التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فبينما كانت الأسواق تترقب تداعيات قرار المحكمة العليا الأمريكية بإبطال الرسوم الجمركية السابقة، فاجأ ترامب الجميع بإعلانه رسوماً شاملة جديدة بنسبة 15%، ما أعاد أجواء المواجهة التجارية إلى الواجهة، وفتح الباب أمام موجة جديدة من تجنب المخاطر.
هروب من الأسهم.. وعودة إلى الملاذ الآمن
التصعيد التجاري، بالتوازي مع التوترات الجيوسياسية مع إيران، دفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأسهم والبحث عن الأمان. النتيجة كانت ارتفاع الطلب على سندات الخزانة، ما أدى إلى تراجع عائد السندات القياسية لأجل عشر سنوات إلى 4.02%، في إشارة واضحة إلى تحوّل السيولة نحو أدوات الدين الحكومية.
هذا التحرك يعكس معادلة مألوفة في أوقات الضبابية: كلما ارتفع منسوب القلق، زاد الإقبال على السندات، وانخفضت عوائدها.
السوق بين ضغطين متعاكسين
المفارقة أن سوق السندات يواجه قوتين متضادتين:
من جهة، هناك مخاوف من أن يؤدي إبطال الرسوم السابقة إلى تراجع إيرادات الحكومة، ما قد يفرض زيادة في إصدار الدين العام لتعويض الفجوة.
ومن جهة أخرى، فإن تصاعد الحرب التجارية قد يبطئ النمو الاقتصادي، وهو ما يدعم السندات ويضغط على العوائد نزولاً.
هذا “الشد والجذب” يجعل تحركات العوائد رهينة لتطورات السياسة التجارية أكثر من أي عامل تقليدي آخر.
ويراقب المستثمرون إشارات الاحتياطي الفيدرالي. فحتى الآن، لا يبدو أن قرار المحكمة العليا غيّر النظرة الأساسية للسياسة النقدية. التضخم الأساسي يقترب من مستوى 2%، لكن مسار الفائدة سيظل مرتبطاً ببيانات سوق العمل.
المتعاملون في الأسواق لا يتوقعون خفضاً للفائدة قبل النصف الثاني من العام، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن الرسوم الجديدة، والتي قد تعيد إشعال موجة ارتفاع الأسعار إذا ما انعكست على تكلفة الواردات والاستهلاك.
الصورة الأكبر: اقتصاد متماسك.. لكن هش
رغم التقلبات، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يظهر قدراً من الصلابة. غير أن مستوى عدم اليقين ارتفع بوضوح. فالحرب التجارية لا تؤثر فقط على التجارة العالمية، بل تمتد تداعياتها إلى قرارات الاستثمار، وسلاسل الإمداد، وثقة المستهلكين.
بعبارة أخرى، ما يحدث حالياً ليس مجرد تحرك في عوائد السندات، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر في أكبر اقتصاد في العالم.
الخلاصة
تصعيد ترمب التجاري أعاد تفعيل غريزة الحذر في الأسواق. السندات استفادت مؤقتاً من موجة تجنب المخاطر، لكن الاتجاه القادم سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: تطور الحرب التجارية، مسار التوترات الجيوسياسية، وبيانات سوق العمل التي ستحدد قرار الفائدة.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن المستثمرين يفضلون الانتظار في منطقة الأمان… ولو مؤقتاً.

التعليقات