في عالم تتقاطع فيه الأرقام مع السياسة، وتتشابك فيه القرارات مع المخاوف، عاد الذهب ليهمس بلغته القديمة، لغة الأمان وقت العاصفة، المواطنون حائرون بين هبوطٍ مفاجئ أربك الشاشات وصعودٍ خاطف أعاد الثقة، تحرك المعدن النفيس كمرآة تعكس قلق الأسواق العالمية، في لحظة يهيمن فيها الغموض وتغيب فيها الرؤية الواضحة.
هيبة الذهب أمام عاصفة الأسواق
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلّب مسار السياسة النقدية الأمريكية، وجد المستثمرون أنفسهم يعودون مجددًا إلى الذهب، لا بحثًا عن ربح سريع، بل عن ملاذ يحفظ القيمة وسط عالم يتغير على إيقاع مفاجآت لا تنتهي.

في هذا السياق، يرى الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادي، أنّ ما تشهده أسعار الذهب من تذبذب حاد ليس حدثًا عابرًا، بل ترجمة مباشرة لحالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق العالمية، موضحا أن الذهب أصبح مرآة حساسة للتقلبات الاقتصادية والسياسية، يتحرك مع كل إشارة صادرة عن مراكز القرار الكبرى.
اقتصادي يكشف أجندة المستثمرين الفترة المُقبلة
ويشير “خضر” خلال حديثه لـ”بانكير” إلى أنّ التراجع الحاد الذي شهده الذهب مؤخرًا جاء نتيجة تغيرات متسارعة في توقعات السياسة النقدية الأمريكية. فصعود الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية في بعض الفترات شكّلا ضغطًا على المعدن الأصفر، كونه أصلًا لا يحقق عائدًا مباشرًا، ما دفع بعض المستثمرين إلى البيع وجني الأرباح بعد موجات صعود قوية حققها الذهب خلال الأشهر الماضية.
لكن المشهد لم يستقر طويلًا، فسرعان ما استعاد الذهب بريقه مدفوعًا بعودة الطلب عليه كملاذ آمن، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا، واستمرار الغموض المحيط بمسار أسعار الفائدة. إلى جانب ذلك، لعبت مشتريات البنوك المركزية دورًا داعمًا، حيث واصلت تعزيز احتياطياتها من الذهب كخط دفاع استراتيجي في مواجهة المخاطر.
وعن النظرة المستقبلية، يتوقع الدكتور السيد خضر، أن تظل أسعار الذهب عرضة للتذبذب على المدى القصير، مع كل بيان اقتصادي أمريكي جديد أو تحرك مفاجئ للدولار. إلا أنه يرى في الوقت ذاته أن أي توجه واضح نحو خفض أسعار الفائدة عالميًا على المدى المتوسط قد يمنح الذهب دفعة جديدة لاستئناف مساره الصاعد، خاصة إذا استمرت التوترات الدولية واتسعت شهية المستثمرين للتحوط.
ويختتم “خضر” قائلاً إنّ سوق الذهب يعيش مرحلة شديدة الحساسية، يتحرك فيها بين ضغوط مؤقتة وقوى دعم قوية، ليظل المعدن النفيس حاضرًا في صدارة اهتمامات المستثمرين، كأداة لحفظ القيمة وملاذ آمن في عالم تتغير فيه المعادلات بوتيرة متسارعة.

التعليقات