يجسد مشروع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان إحدى أكثر التجارب طموحا في مسار التحول الطاقي بمصر، بعدما نجح في تحويل رقعة صحراوية قاحلة إلى منصة إنتاج ضخمة للكهرباء النظيفة، تدعم الشبكة القومية وتعيد رسم خريطة الطاقة المتجددة في المنطقة.
ومع دخول عام 2026، لا يقتصر حضور مشروع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، على كونه مشروعًا قائمًا، بل بات نموذجًا عمليًا للتوسع الذكي، والدمج بين التكنولوجيا والاستدامة، وتعظيم العائد الاقتصادي والبيئي في آن واحد.
مشروع بنبان للطاقة الشمسية
يقع مجمع بنبان على بعد نحو 35 كيلومترًا شمال غرب مدينة أسوان، في منطقة تتمتع بأحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، وهذا الموقع لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل جاء ضمن رؤية شاملة لاستغلال الموارد الطبيعية غير التقليدية، وتوجيه الاستثمارات نحو جنوب مصر.

وانطلق مشروع بنبان ضمن استراتيجية الدولة للطاقة المستدامة 2030، التي استهدفت تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وبدأت الأعمال الفعلية في 2017، ومع نهاية 2019 كان المجمع قد دخل مرحلة التشغيل شبه الكامل، محققًا قدرة إنتاجية غير مسبوقة على مستوى القارة الأفريقية.
ويمتد المجمع على مساحة تقارب 37 كيلومترًا مربعًا، ويضم عشرات المحطات الشمسية التي تعمل بتقنية الخلايا الكهروضوئية، ما يجعله من أكبر التجمعات الشمسية المتكاملة على مستوى العالم، وشهد موجات متتالية من التوسعات المدروسة، مدعومة بإقبال استثماري قوي من كيانات إقليمية ودولية.
توسعات كبيرة في مشروع بنبان للطاقة الشمسية
شهدت السنوات الأخيرة نقلة نوعية في حجم ونوعية التوسعات داخل بنبان، ففي 2025، دخلت قدرات إضافية تقدر بنحو 300 ميجاوات حيز التشغيل التجاري، ضمن مشروعات جديدة عززت من كفاءة المجمع وقدرته على تلبية الطلب المتزايد.
كما تم توقيع اتفاقيات لتطوير قدرات أكبر مصحوبة بأنظمة تخزين طاقة، في خطوة تعكس تطور الرؤية من مجرد إنتاج كهرباء شمسية إلى إدارة متكاملة للأحمال والاستقرار الشبكي.
ومع مطلع 2026، تركزت الجهود على دمج الطاقة الشمسية المنتجة من بنبان مع مصادر أخرى، مثل الطاقة الكهرومائية، عبر تنسيق فني مع سد أسوان، بما يسمح بتعظيم الاستفادة من كل ميجاوات منتجة، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة التشغيل على مدار اليوم.
قدرة إنتاجية ضخمة
تبلغ القدرة الإجمالية الحالية لمجمع بنبان نحو 1.465 جيجاوات، وهي قدرة توازي نسبة كبيرة من إنتاج السد العالي، ما يضع المشروع في قلب معادلة الأمن الطاقي المصري، وينتج المجمع سنويًا مئات الجيجاوات من الكهرباء النظيفة، تكفي لتغذية مئات الآلاف من الوحدات السكنية، وتخفف الضغط عن محطات التوليد التقليدية.
وتشمل خريطة التشغيل مشاركة عدد من الشركات العالمية والإقليمية، التي تدير محطات متعددة داخل المجمع، ضمن إطار تعاقدي طويل الأجل، حيث يتم بيع الطاقة المنتجة إلى الشركة المصرية لنقل الكهرباء من خلال اتفاقيات شراء تمتد لنحو 25 عامًا، ما يوفر استقرارًا استثماريًا ويضمن استدامة التشغيل.
التأثير الاقتصادي لمشروع بنبان للطاقة الشمسية
على الصعيد البيئي، يمثل بنبان أحد أهم أدوات خفض الانبعاثات في مصر، إذ يساهم سنويًا في تقليل ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بمحطات الوقود التقليدي، كما يتميز بانخفاض استهلاكه للموارد المائية، لعدم اعتماده على نظم تبريد مائي.

واقتصاديًا، تجاوزت الاستثمارات الموجهة للمجمع عدة مليارات من الدولارات، ما انعكس على خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط سلاسل الإمداد المحلية، وتعزيز ثقة المستثمرين في قطاع الطاقة المتجددة.
مما أسهم مشروع بنبان للطاقة الشمسية، في تقليل فاتورة استيراد الوقود، ودعم توجه الدولة لزيادة نسبة الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء، بالإضافة إلى توفير آلاف فرص العمل للشباب.
الطاقة الخضراء في مصر
لا ينظر إلى بنبان باعتباره مشروعا مكتمل الأركان فحسب، بل كنقطة انطلاق لمرحلة أوسع من مشروعات الطاقة الخضراء في مصر، فمع الخطط المعلنة للتوسع في قدراته، وإدماج تقنيات التخزين، والربط بمشروعات الهيدروجين الأخضر مستقبلًا، يترسخ دور المجمع كأحد أعمدة التحول الطاقي، وركيزة أساسية لطموح مصر في أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة.
وفي المحصلة، يعكس مشروع بنبان كيف يمكن للتخطيط طويل الأمد، والاستثمار الذكي، واستغلال الموارد الطبيعية، أن يحول الصحراء إلى مصدر مستدام للطاقة والتنمية، ويضع مصر في موقع متقدم على خريطة الطاقة المتجددة عالميًا.

التعليقات