التخطي إلى المحتوى

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى سلاح في وجه غسل الأموال

تخيل عالماً يمكن فيه كشف عمليات الاحتيال وغسل الأموال قبل أن تتحول إلى أرقام هائلة تبتلع الاقتصاد. هذا العالم أصبح أقرب إلى الواقع بفضل الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة لإدارة البيانات أو زيادة الإنتاجية، بل أصبح شرياناً لبناء الثقة الرقمية في الأسواق والمؤسسات المالية.

 

تتعرض أوروبا لضغوط متزايدة لجعل اقتصادها الرقمي أكثر أمانًا، خصوصًا فيما يتعلق بمحاربة الجرائم المالية.

 

وتشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن ما بين 2% و5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي – أي ما يقدر بين 800 مليار و2 تريليون دولار – يُغسل سنويًا.

 

 

الجريمة المنظمة

 

وفي الاتحاد الأوروبي، تقول المفوضية الأوروبية إن الجريمة المنظمة تولد أرباحًا تصل إلى حوالي 139 مليار يورو سنويًا، بينما تقدر يوروبول أن حوالي 2% فقط من عائدات الجرائم يتم ضبطها ومصادرتها.

 

ويظهر نمط مشابه داخل الشركات، إذ تقدر رابطة فاحصي الاحتيال المعتمدين أن المؤسسات تفقد نحو 5% من إيراداتها سنويًا بسبب الاحتيال.

 

في عام 2025، ناقش قادة أوروبا الحاجة إلى شكل من أشكال المساءلة يوقف “الهوية المجهولة” على الإنترنت عن طريق ربط حسابات وسائل التواصل الاجتماعي بمحفظة الهوية الرقمية الأوروبية. الفكرة هي أن ضمان هوية أقوى يصعّب استخدام الحسابات المجهولة في عمليات الاحتيال والخداع المالي.

 

لكن الأمر الواضح هو أن العالم بحاجة إلى بنية تحتية رقمية جديدة للثقة، لأن المجتمعات لا يمكنها بناء ثقة مستدامة في الأنظمة الرقمية بمجرد توسيع الرؤية إلى حياة الناس الخاصة.

 

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء سلاسل الأدلة ضد الجرائم المالية؟

 

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في معالجة هذه المشكلة. في الواقع، يجب أن يُنظر إلى الفصل القادم من استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي على أنه أقل تركيزًا على برمجيات الإنتاجية وأكثر تركيزًا على البنية التحتية للثقة.

 

في هذا السياق، لا تكمن أهم فائدة للذكاء الاصطناعي في سرعة معالجة المعلومات، بل في قدرته على ربط السجلات المجزأة وتحويلها إلى أدلة منظمة قابلة للمعالجة آليًا يمكن أن تساعد في مكافحة الجرائم المالية.

 

كل حدث اقتصادي يترك آثارًا مادية – عقد، فاتورة، شحنة، دفعة، سجل ضريبي، إدخال في دفتر الحسابات. في معظم المؤسسات، هذه الآثار موجودة في أنظمة وصيغ منفصلة، مما يصعّب تحديد ما إذا كانت المعاملة تعكس حدثًا حقيقيًا أم مجرد سلسلة ورقية تبدو مقنعة.

 

 

سلسلة الأدلة

 

الذكاء الاصطناعي يمكنه الآن تجميع ما يمكن تسميته بـ”سلسلة الأدلة”، كما هو الحال في مثال طورته شركة  “نوفا موندي” تربط سلاسل الأدلة المطالبات بالوثائق والإجراءات التي تدعمها: يجب أن ترتبط الفاتورة بالتسليم، والتسليم بالدفع، والدفع بعلاقة تجارية شرعية.

 

إذا كانت هذه السلسلة متماسكة، يرتفع مستوى الثقة؛ وإذا انقطعت، يصبح الخطر مرئيًا. هذا الأمر مهم بالنسبة للاحتيال وغسل الأموال، كما هو الحال بالنسبة للتهرب من العقوبات أو تمويل الإرهاب.

 

تزدهر الجرائم المالية في بيئة مجزأة، فغسل الأموال مصمم لإخفاء الأصل والملكية، والاحتيال غالبًا ما يختبئ خلف مستندات تبدو صحيحة بمفردها لكنها تنهار عند ربطها بالواقع التجاري الأوسع. التحدي، إذًا، ليس في تحديد الأجسام المشبوهة، بل في اكتشاف التناقضات المشبوهة.

 

الذكاء الاصطناعي مجهز بشكل استثنائي لهذه المهمة، لأنه يمكنه مقارنة المطالبات عبر الوثائق والأنظمة والزمن بمستوى يفوق قدرة المراجعة اليدوية.

 

الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الثقة الرقمية

 

قد تنجح الأسواق الخاصة في هذا المجال، في حين قد تواجه المراقبة العامة الشاملة صعوبات. المراقبة الشاملة غالبًا ما يُنظر إليها على أنها بعيدة أو مفروضة أو سياسية بشكل هش. بالمقابل، يمكن تطبيق التحقق المبني على الأدلة من خلال الجهات التي تتحمل مسؤولية تشغيلية عن الثقة بالفعل، مثل البنوك وشركات التأمين والمدققين والفرق المالية ومقدمي الخدمات الخاضعين للتنظيم.

 

الدولة لا تزال مهمة، لكن دورها ينبغي أن يقتصر على وضع المعايير والمسؤولية وضمان التدابير الوقائية، وليس مراقبة المعاملات مباشرة.

 

بدأت هذه المنهجية تتشكل بالفعل، حيث تبني الشركات أدوات لا تعتمد على قراءة الاتصالات الخاصة للجميع، بل على ربط السجلات التجارية الموضوعية بسلاسل قابلة للتدقيق. هذا الأسلوب يتماشى أكثر مع الطريقة التي تُبنى بها الثقة في الأسواق – من خلال المعاملات القابلة للتحقق، والمؤسسات المسؤولة، والفحوصات المتكررة. كما أنه يتماشى مع سياسة الهوية الرقمية الأوروبية، أي إن النهج الانتقائي للإفصاح موجود بالفعل في أحد مجالات السياسة الرقمية ويجب أن يتبع النزاهة المالية نفس المنطق.

 

 

اختبار النزاهة المالية

 

التوقيت هنا بالغ الأهمية. فقد اعتمد المجلس الأوروبي حزمة مكافحة غسل الأموال في 2024، ما أنشأ قاعدة موحدة أكثر وطور هيئة جديدة لمكافحة غسل الأموال في فرانكفورت، وهو ما يمنح أوروبا قاعدة تنظيمية لبناء نزاهة مالية وثقة رقمية أكبر.

 

لكن التنظيم وحده لن يغلق الفجوة بين الالتزام الرسمي والنزاهة المالية الفعلية. إذا استمرت الشركات في الاعتماد على سجلات متفرقة وعمليات مراجعة كثيفة العمالة، ستظل عمليات الإنفاذ بطيئة ومكلفة وغير مكتملة. يتيح الذكاء الاصطناعي نموذجًا مختلفًا، يمكن من خلاله اختبار النزاهة بشكل مستمر عبر الوثائق وسير العمل قبل تفاقم المخاطر.

 

بالنسبة لصانعي السياسات، يعني هذا وضع معايير التشغيل البيني لأنظمة سلاسل الأدلة، واشتراط سجلات قابلة للتدقيق ومراجعات بشرية للقرارات عالية المخاطر، وإتاحة المجال للشركات الصغيرة لتبني أدوات موثوقة من خلال بيئات اختبار وتجارب امتثال متناسبة.

 

أما بالنسبة لقادة الأعمال، فهذا يعني التعامل مع بنية الذكاء الاصطناعي للنزاهة باعتبارها طبقة تحكم أساسية لا تقل أهمية عن الأمن السيبراني.

 

الخيار الذي تواجهه أوروبا ومؤسساتها الآن ليس بين السلامة الرقمية والخصوصية، بل بين الرؤية الغامضة والتحقق الذكي المبني على الأدلة.

 

المصدر: “المنتدى الاقتصادي العالمي”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *