كيف تلحق الاقتصادات النامية بركب الأغنياء؟
رغم الفجوة الكبيرة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، فإن نظرية تأثير اللحاق ترى أن دخل الفرد في الدول الأقل ثراءً يمكن أن يلحق تدريجيًا بمستويات الدول الغنية.
تستند النظرية إلى حقيقة أن الاقتصادات النامية غالبًا ما تنمو بوتيرة أسرع، مستفيدة من إعادة إنتاج التقنيات والسياسات القائمة في الدول المتقدمة.
لكن هذا المسار ليس مضمونًا دائمًا، إذ تعيقه عوامل مثل نقص رأس المال، ضعف القدرات الاجتماعية، وغياب الانفتاح التجاري، عدم القدرة على جذب الاستثمارات.

ما تأثير اللحاق (نظرية التقارب)؟
يشير تأثير اللحاق إلى النظرية التي تفترض أن دخل الفرد في جميع الاقتصادات سيصل في النهاية إلى التقارب مع دخل الدول الأكثر تقدمًا.
تقوم هذه النظرية على الملاحظة أن الاقتصادات الأقل نموًا تميل إلى النمو بوتيرة أسرع من الاقتصادات الأكثر ثراءً، ما يمكّن الاقتصادات الأقل ثراءً من اللحاق فعليًا بالدول القوية اقتصاديًا. يُعرف هذا المفهوم أيضًا باسم نظرية التقارب.
فهم تأثير اللحاق
يعتمد تأثير اللحاق، أو نظرية التقارب، على عدة أفكار رئيسية:
قانون تناقص العوائد الحدية:
هذا القانون يفترض أنه مع زيادة الاستثمار والأرباح في أي بلد، يقل العائد الناتج عن كل وحدة استثمار إضافية كلما ارتفع مستوى الاستثمار.
بمعنى آخر، الاستفادة من رأس المال في الدول الغنية ستكون أقل مقارنة بالدول النامية، حيث لا تزال الفرصة للحصول على عوائد كبيرة أكبر.
الملاحظة التجريبية للنمو:
تشير البيانات إلى أن الاقتصادات المتقدمة تميل إلى النمو بمعدل أبطأ، وإن كان أكثر استقرارًا، مقارنة بالدول الأقل تطورًا.
وفقًا للبنك الدولي، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي للدول عالية الدخل 2.8% في عام 2022، مقابل 3.6% للدول متوسطة الدخل و3.4% للدول منخفضة الدخل.
ميزة المتحرك الثاني (Second-Mover Advantage):
يمكن للدول النامية أن تحقق نموًا أسرع لأنها تستطيع تكرار أساليب الإنتاج والتقنيات والسياسات والمؤسسات التي طورتها الدول المتقدمة.
بمعنى آخر، الاستفادة من المعرفة التكنولوجية للدول المتقدمة يتيح لها النمو بوتيرة أسرع.
القيود على تأثير اللحاق
نقص رأس المال:
رغم أن الدول النامية قد تشهد نموًا أسرع، إلا أن نقص رأس المال يمثل عائقًا كبيرًا أمام قدرتها على اللحاق بالدول المتقدمة.
تاريخيًا، نجحت بعض الدول النامية في إدارة مواردها بكفاءة وتأمين رأس المال لتعزيز الإنتاجية الاقتصادية، لكن هذا لم يصبح قاعدة عامة عالميًا.
نقص القدرات الاجتماعية:
ذكر الاقتصادي موسى أبراموفيتز أنه لكي تستفيد الدول من تأثير اللحاق، يجب أن تطور وتستثمر فيما سماه “القدرات الاجتماعية”، والتي تشمل القدرة على استيعاب التكنولوجيا الجديدة، وجذب الاستثمارات، والمشاركة في الأسواق العالمية.
إذا لم تكن التكنولوجيا متاحة بحرية أو كانت مكلفة للغاية، فإن تأثير اللحاق لن يتحقق.
غياب السياسات التجارية المفتوحة:
تلعب السياسات التجارية المفتوحة، خصوصًا فيما يتعلق بالتجارة الدولية، دورًا كبيرًا.
أظهرت دراسة طويلة الأمد قام بها الاقتصاديان جيفري ساكس وأندرو وارنر أن السياسات الاقتصادية التي تعتمد على الانفتاح التجاري مرتبطة بمعدلات نمو أسرع.
وبينت الدراسة التي شملت 111 دولة من 1970 إلى 1989 أن الدول الصناعية سجلت معدل نمو سنوي للفرد بلغ 2.3%، بينما الدول النامية المفتوحة للتجارة حققت 4.5%، والدول النامية ذات السياسات الحمائية 2% فقط.

نمو السكان:
يعد نمو السكان عقبة رئيسية أخرى، إذ لا يعتمد دخل الفرد على الناتج المحلي الإجمالي فقط، بل على عدد السكان.
تميل الدول الأقل تطورًا إلى ارتفاع معدل النمو السكاني، ما يقلل من دخل الفرد. وفقًا للبنك الدولي لعام 2022، شهدت الدول المتقدمة (أعضاء منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية) نموًا سكانيًا متوسطًا بنسبة 0.3%، بينما كانت أقل الدول تطورًا وفق تصنيف الأمم المتحدة تسجل 2.3% .
مثال على تأثير اللحاق
بين عامي 1911 و1940، كانت اليابان أسرع اقتصاد نموًا في العالم، واستثمرت بشكل كبير في جيرانها كوريا الجنوبية وتايوان، ما ساهم في نموهما الاقتصادي. بعد الحرب العالمية الثانية، انهار الاقتصاد الياباني، لكنه أعاد بناء بيئة مستدامة للنمو خلال خمسينيات القرن الماضي، واستورد الآلات والتقنيات من الولايات المتحدة، محققًا معدلات نمو مذهلة من 1960 وحتى أوائل الثمانينيات.
شهدت الاقتصادات الآسيوية النامية، المعروفة باسم “النمور الآسيوية”، مسارًا مشابهًا: نمو سريع في السنوات الأولى من التنمية، يتبعه تباطؤ تدريجي عند الانتقال إلى مرحلة الاقتصاد المتقدم.
كيف يمكن للدول الأقل تطورًا الاستفادة؟
يمكن للدول التي لا تمتلك ابتكارات تكنولوجية أو الموارد المالية لتطويرها أن تستفيد من الابتكارات الموجودة بالفعل لتعزيز الناتج المحلي الإجمالي ودخل الفرد.
هل جعلت العولمة تأثير اللحاق أكثر وضوحًا؟
ربما.. فقد سهلت العولمة الوصول إلى التكنولوجيات وسلاسل التوريد للدول النامية، من خلال تخفيف القيود التجارية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول.
لماذا يتناقص تأثير اللحاق في الدول الصناعية؟
يتناقص هذا التأثير في الدول المتقدمة لأنها تمتلك بالفعل رأس مال كبير، وتجارة حرة واسعة، وسياسات اقتصادية ملائمة، ما يترك مساحة أقل لتحقيق مكاسب إضافية كبيرة.
المصدر: انفستوبيديا
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات