في وقت الأزمات الخسارة ليست حتمية
على الرغم من المخاوف الكبيرة التي انتابت المستثمرين مع نشوب الحرب في الشرق الأوسط، إلا أن ردة فعل الأسواق لم تكن بالعنف المتوقع، حتى في الولايات المتحدة التي تنخرط بشكل مباشر في الصراع وعادة ما تتأثر بتقلبات سوق الطاقة.

كانت ردة الفعل في وول ستريت فاترة للغاية تجاه صراع يهدد بتعطيل ما يقرب من خمس إلى ربع إمدادات العالم من النفط والغاز المنقول بحرًا، حيث استقرت الأسهم الأمريكية في أول جلسة تداول بعد بدء الحرب في حين كانت أسعار النفط تحلق بعيدًا وتهدد بإزكاء التضخم وتعطيل خطط التيسير النقدي.
“جيمي ديمون” الرئيس التنفيذي لأكبر بنك في الولايات المتحدة والذي يُنظر إليه باعتباره أحد العقول الاقتصادية الفذة وأبرز قادة القطاع المالي، وصف ردة الفعل بأنها “متراخية” وتعكس “التفاؤل المفرط في الأسواق”، نظرًا لاحتمال بقاء التضخم مرتفعًا لفترة أطول.
بعد يوم من هذه التصريحات، وتحديدًا الثلاثاء، بدت الأسواق أكثر قلقًا وانخفضت ول ستريت بشكل حاد حتى أن “داو جونز” تراجع بأكثر من 1200 نقطة عند مرحلة ما، لكن بنهاية الجلسة، قلص السوق خسائره بشكل كبير، وفي اليوم التالي أغلق مرتفعًا، ليؤكد لـ “ديمون” أنه ببساطة “لا يبالي”.
لماذا لا تقلق الأسواق؟
– حتى الأسواق في أوروبا بعد خسائرها في بداية الأسبوع تحولت للارتفاع لاحقًا، وربما كان الاستثناء في آسيا حيث منيت بورصتا كوريا الجنوبية واليابان بخسائر حادة، لكن هذه الخسائر تأتي بالفعل بعد مكاسب استثنائية للغاية للسوقين في آخر 12 شهرًا.
– في الحقيقة، تخلق الأزمات فرصًا بقدر ما تخلق ضغوطًا على بعض القطاعات، ناهيك عن فرصة اقتناص الأسهم في القطاعات المتضررة بأثمان بخسة، لكن الأهم من ذلك، أن طبيعة الأزمات الجيوسياسية تغيرت بشكل جوهري عما كانت عليه في الماضي.
– على الرغم من تحذير “ديمون”، فإنه يقول: “إذا نظرنا إلى جميع النزاعات التي دارت حول العالم منذ الحرب العالمية الثانية، نجد أن السوق يتفاعل معها، لكن لم يكن لها تأثير حقيقي طويل الأمد، باستثناء عام 1973 عندما تضاعفت أسعار النفط ثلاث مرات واستمر ذلك لفترة طويلة”.
– يهتم مستثمرو سوق الأسهم في المقام الأول بأرباح الشركات وتوقعاتها المستقبلية، ورغم أن الصراعات الجيوسياسية قد تُثير حالة من عدم اليقين، إلا أن تركيز المستثمرين لا يزال منصبًا على أساسيات السوق.

– لا تؤثر الصراعات العالمية اليوم على الأسواق لفترات طويلة كما أشار “ديمون”، وفي حين يشكل انقطاع إمدادات النفط أكبر تهديد للاقتصاد العالمي والأسواق، فإن احتمالية استمرار هذا التأثير لفترة طويلة منخفضة حتى الآن، وفقًا للمحللين.
– يقول “جيسون برايد”، رئيس قسم استراتيجية الاستثمار والبحوث في شركة “جلينميد”: “للأحداث الجيوسياسية تاريخ طويل في المساهمة في تقلبات السوق على المدى القريب، لكن هذه الاضطرابات عادةً لا تُؤثر بشكل مستدام على مسار نمو السوق على المدى البعيد”.
– الأهم من ذلك، هو التطور في سيكولوجية المستثمرين حيث أصبحوا أكثر وعيًا بالمخاطر والفرص، وأكثر قدرة على الوصول إلى البيانات بفضل التكنولوجيا، ما يجعلهم أسرع في العودة إلى الأسواق وصبورين إلى حد كبير على الاضطرابات.
الأسواق ترى كل شيء
– كان المستثمرون يتوقعون إلى حد كبير أن تتخذ إدارة “ترامب” إجراءً عسكريًا ضد إيران، مما قلل من أي صدمة، وهذا ما يفسر الهدوء النسبي في أسعار الذهب الآن بعدما استوعبت بالفعل الصراع قبل بدايته.
– خلال 40 حدثًا جيوسياسيًا في آخر 85 عام، تراجعت الأسهم الأمريكية 0.9% في الشهر الأول بعد الحدث، لكنها ارتفعت 3.4% خلال الأشهر الستة اللاحقة، وفقًا لبيانات “كارلسون جروب”. هذه الحقيقة التي يدركها المستثمرون تمامًا، تجعلهم أقل ميلًا نحو الهروب من السوق في وقت الأزمة.
– قد يشكل التحول إلى بعض القطاعات في وقت الأزمات فرصة للربح، ودعمًا للسوق بشكل عام ما يضمن استقراره نسبيًا، ففي حين تأثرت أعمال بعض القطاعات سلبًا مثل الطيران والشحن بالحرب، فإن أسهم شركات الطاقة قفزت.
– يظهر ذلك جليًا في أداء الأسواق الأوروبية خلال جلسة الأربعاء، حيث ارتفعت أغلب القطاعات تقريبًا، ويرجع ذلك لحقيقة أن المستثمرين تجاوزوا الأسوأ سريعًا ويركزون الآن على اقتناص الفرص.

– حتى الأسواق الناشئة التي كان من المتوقع أن تكون بين أبرز المتضررين من هذه الحرب، تظهر علامات أولية على التماسك، حيث شهدت الصناديق المتداولة لأصول الأسواق الناشئة تدفقات بأكثر من 600 مليون دولار يوم الثلاثاء، في إشارة على ثقة المستثمرين بالأصول الخطرة.
– ينظر المستثمرون ذوو الخبرة إلى ما وراء الأحداث الجارية، فبمجرد أن تتضح معالم الحرب، تعود تدفقات رأس المال إلى أنماطها الطبيعية، ويُدرك المتداولون الأذكياء هذه الديناميكية ويُحددون مواقعهم وفقًا لذلك.
– في ظل الأزمة نفسها لا تبدو الصورة قاتمة للغاية، فحتى النقص قد يخلق فرصًا، وعلى سبيل المثال، يتوقع محللون أن تستفيد قطاعات عدة من هذا الصراع، وفي مقدمتها الطاقة والدفاع والأمن السيبراني وحتى الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الشحن والتعدين.
ما زال من المبكر الحكم؟
– يبقى السؤال الأكثر أهمية: كم سيستمر الصراع؟ وإلى أي مدى ستتأثر خطوط الإمداد العالمية؟ فمن المؤكد أنه إذا استمرت الحرب لفترة، فقد تؤثر سلبًا على تدفقات النفط العالمية، وبالتالي على الأسهم.
– يقول “ديفيد ستابس” كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة “ألفاكور” للاستشارات المالية إن شهرًا واحدًا سيكون قابلاً للتحمل، لكن إذا اتسع نطاق الصراع وزادت مدة الاضطراب، فستبدأ بعض قطاعات سوق الأسهم في الانتباه في نهاية المطاف.
– تبدو مدة الشهر متسقة مع توقعات الإدارة الأمريكية لمدة العملية العسكرية في إيران، والتي تتراوح بين 4 إلى 5 أسابيع، رغم أن “ترامب” أكد استعداد بلاده لصراع أطول أجلًا إذا اضطرت لذلك.
– حتى إذا طال أمد الحرب لبعض الوقت، ستكون لعوامل أخرى تأثير أكبر، ففي أمريكا مثلًا يبدو أن الذكاء الاصطناعي هو العامل القيادي لاتجاهات الأسهم، وفي أسواق أخرى قد تكون تحركات أسعار الطاقة أكثر تأثيرًا بناءً على ما إذا كانت مصدرة أم مستوردة.

– الهدوء والصبر عنصران أساسيان للتعامل مع الضغوط، إنهما لوحا التزحلق الذي يركبه المستثمر لاعتلاء الموجة وإلقاء نظرة شاملة على مجريات الأمور قبل أن يحدد أين ومتى سيهبط بسلام.. لا داعي للتسرع فالأسواق ليست كما كانت في القرن العشرين، إنها تتعافى سريعًا، وتتطبع سريعًا، وتتجاهل سريعًا.
– من الضروري التمييز بين الصدمة المؤقتة الناتجة عن الأخبار الكثيفة والمفاجئة، وبين التحول الجذري في المشهد الاقتصادي، وبالنظر لطبيعة الرئيس الأمريكي كـ “رجل صفقات” براغماتي، فإنه يميل للضربات الخاطفة الموجعة التي تحقق له المكاسب السريعة وتجنب الأسواق والاقتصاد التداعيات طويلة الأجل.
– في النهاية، لا تعني الأزمات بالضرورة خسائر دائمة، فالتاريخ يُظهر أن الأسواق تميل إلى امتصاص الصدمات والتكيف معها بمرور الوقت، وفيما يظل مسار الصراع عاملًا حاسمًا في المدى القريب، فإن تركيز المستثمرين على الأساسيات الاقتصادية والفرص الجديدة قد يكون كفيلًا بإعادة التوازن للأسواق.
المصادر: أرقام- سي إن إن- ماركت ووتش- إنفستوبيديا- آي جي- زاكس- يورو نيوز- بارونز
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات