التخطي إلى المحتوى

حرية واسعة.. وقلق أكبر


لم يعد اتخاذ القرار فعلاً عابراً في حياتنا، بل تحوَّل إلى عبء ثقيل نحمله في كل خطوة. كثرت الخيارات حتى صار الإنسان يقف حائراً أمامها، لا لندرتها بل لفيضها. وظيفة أفضل ربما تنتظر، فرصة أجمل قد تظهر، مسار مختلف قد يكون أنسب. وهكذا نمضي في التفكير، لا لأننا عاجزون عن الاختيار، بل لأننا نخشى أن نخسر ما لم نجرّبه.هذا القلق لا يرتبط بضعف الشخصية كما يُظَن، بل انعكاس طبيعي لاتساع الاحتمالات أمامنا. حين نختار طريقاً، فإننا نغلق أبواباً أخرى، ولو كانت مجرد احتمالات بعيدة. ومع انفتاح العالم وتزاحم المقارنات، أصبح من السهل أن نشعر أن الآخرين يعيشون حياة أكثر اكتمالاً، وأن ما بين أيدينا أقل مما نستحق. فيتسلل إلى القلب شعور خفي بعدم الرضى، حتى ونحن نسير في طريق جيد.المشكلة ليست في كثرة الخيارات، بل في تعلقنا الدائم بما لم نختره. نظل نلتفت إلى الخلف، نتساءل: ماذا لو؟ وكأن الاحتمال غير المعيش أصدق من الواقع الذي بين أيدينا. ومع الوقت، يتحول التردد إلى عادة، والبحث عن «الأفضل» إلى دائرة لا تنتهي.هنا؛ يتجلى البعد الإيماني كمرساة للطمأنينة. حين يستقر في القلب أن ما كُتِب لنا سيصيبنا، وأن ما فاتنا لم يكن ليكون لنا، تخف وطأة المقارنات. الإيمان لا يمنع التفكير ولا يلغي الاجتهاد، لكنه يحررنا من استنزاف «لو». يمنحنا شجاعة الالتزام، وسكينة الرضى بعد الاختيار.الاستقرار لا يولد من تعدد البدائل، بل من صدق العيش داخل ما اخترناه. فالحياة لا تُبنى على احتمالات مؤجلة، بل على قرارات نمنحها وقتنا وجهدنا وقلبنا. وحين نفعل ذلك، يتراجع القلق، ويبدأ السلام الداخلي في النمو بهدوء.

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *