لبنان أمام اختبار الحسم.. معركة حصر السلاح تتجدد شمال الليطاني – أخبار السعودية

في شمال الليطاني توجد حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: لا شيء يتحرك بلا ضغط.
المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح لم تُطلق لأن الظروف اللبنانية نضجت فجأة، ولا لأن التباينات اختفت، بل أُطلقت لأن ميزان الضغط تصاعد إلى مستويات غير مسبوقة. هناك ضغط أمريكي يربط دعم الجيش بالنتائج على الأرض، نار إسرائيلية تهدد أبعد من الحدود يومياً، ودولة تدرك أن أي تباطؤ في التنفيذ ستكون كلفته اهتزازاً في صدقيتها وفي ثقة الخارج بها.
لكن شمال الليطاني ليس مجرد امتداد لما جرى جنوب النهر تحت إشراف قوات اليونيفيل. فالمنطقة أكبر وأكثر تعقيداً وأكثر حساسية. وفقاً للمعلومات والمعطيات هناك منشآت علنية، مخازن وأنفاق، أي أن كل خطوة عسكرية تحمل انعكاسات سياسية وأمنية، وأي خطأ صغير قد يتحول إلى ساحة اختبار للموازين الداخلية والخارجية معاً.
التباين بين الأطراف
التباين هو أول ما يلفت في هذه المرحلة. كيف يمكن لخطاب يرفض تسليم السلاح أن يتجاور مع مشاركة حكومية منضبطة؟ وكيف يمر قرار بهذه الحساسية من دون اعتراض حزب الله داخل مجلس الوزراء؟ هل نحن أمام تناقض أم أمام توزيع أدوار محسوب؟
في العلن، جاء خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم حاسماً في رفض تسليم السلاح، لكن داخل المؤسسات بدا المشهد مختلفاً: وزراء الحزب لم يعترضوا على إعلان المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، ولم ينسحبوا من جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت الأسبوع الماضي ومررت قرار الانتقال إلى شمال الليطاني. هذا الفارق ليس تفصيلاً شكلياً، بل يعكس إدارة مزدوجة للمشهد، بعدما وجد حزب الله نفسه مجبراً داخلياً وخارجياً لتمرير هذه المرحلة
في المقابل، تتحرك الدولة تحت ضغط من نوع آخر. الإعلان عن المرحلة الثانية وتحديد مهلة أربعة أشهر قابلة للتمديد يضع الجميع أمام استحقاق التنفيذ لا أمام ترف المناورة. فالدولة باتت مطالبة بإثبات أن القرار ليس بياناً سياسياً إضافياً، وأن الانتقال بين المراحل ليس مجرد ترتيب لغوي.
ضغط دولي
الضغط الدولي واضح: الولايات المتحدة ترى في المرحلة الثانية مقياس جدية الحكومة اللبنانية؛ أي تأجيل أو ترك المهلة مفتوحة بلا حسم يُفسّر كفرصة لإعادة بناء قدرات الحزب، وسيقلص الثقة وربما يعرقل الدعم العسكري والمالي للجيش، وهنا الزمن يتحول إلى عنصر ضغط أيضاً؛ كل أسبوع تأخير في إطلاق المرحلة الثانية قد يضيف مساحة رمادية لحزب الله.
في هذا الإطار، قد يضخ مؤتمر دعم الجيش اللبناني المرتقب في 5 مارس القادم زخماً إضافياً للمرحلة الثانية من خطة حصر السلاح. التمويل والدعم الدولي يعطيان الدولة غطاءً إضافياً ويزيدان من القدرة على تنفيذ الخطوات الميدانية، لكنهما لا يلغيان تعقيدات الواقع على الأرض أو التهديدات الإسرائيلية. وأي تأجيل يبقى محفوفاً بالمخاطر، ما يجعل الحسم السياسي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
الاعتداءات الإسرائيلية
إسرائيل بدورها ليست مجرد مراقب. الضربات المتصاعدة، عمليات الاغتيال، رفع حالة التأهب والاستطلاع اليومي، كلها تشكل خطراً مستمراً، يفرض على الدولة اللبنانية عدم ترك أي فراغ استراتيجي. فأي تباطؤ ميداني أو سياسي قد يتحول مباشرة إلى إعادة ترتيب للقوة.
أما الواقع فيشير إلى أن الجيش اللبناني ورغم المهلة التي حددها؛ إلا أنه سينفذ ما يطُلب منه ضمن حدود الإمكانات المتاحة، فهو لا يملك قراراً سياسياً كافياً للانتقال إلى مرحلة مختلفة من التحرك، الانتشار، أو نقل أي سلاح، لأنه يحتاج إلى غطاء سياسي واضح ونهائي، لذلك قد تبقى كل خطوة داخل شمال الليطاني مجرد تحرك تكتيكي، لا استراتيجي، وكأنك تحرك قطع شطرنج على لوحة لا تعرف نهاية المباراة فيها.
المعادلة النهائية للمرحلة الثانية: الجيش يمتلك خطة بلا مهلة زمنية أو غطاء سياسي كامل، المجتمع الدولي يمتلك أدوات الضغط، إسرائيل تمتلك القوة النارية، لكن لا شيء من هذا يكفي من دون حسم سياسي كامل.
هذا هو الاختبار الحقيقي: ليس في الانتشار، ولا في ضبط الإيقاع، بل في إعلان نهاية واضحة لمسار السلاح.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات