خياراتنا المُختارة طريقي أكملها حتى لو بدأها غيري – أخبار السعودية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبارة «روسو» العاصفة «الإنسان يولد حراً، لكنه في كل مكان مقيد في الأغلال»، تطرح استفهاماً: هل تُنتقى خياراتنا نيابة عنّا؟.. سؤال بسيط لكن عمقه يلامس النواة التي يتشكل منها وعينا، وحدود إرادتنا، وصورتنا عن أنفسنا، إذ إن المرء، وهو يعلن: أنا اخترت، لا يدرك تماماً أن هذا الاختيار ذاته قد يكون محصولاً طويلاً لعوامل لا يملك السيطرة عليها، ولم يكن طرفاً في صناعة بداياتها، لكنه يحمل مسؤولية نتائجها.
اختياراتنا في صورتها الأولى؛ تبدو فعلاً حرة، خطوة يتخذها الإنسان بعد تفكير، أو حدس، أو رغبة تدفعه إلى مسار دون آخر، لكن ما الذي يصوغ هذا التفكير؟ وما الذي يشحذ ذلك الحدس؟ وما الذي يوقظ تلك الرغبة؟، هل هي إرادة خالصة تنبع من الداخل، أم أن الداخل نفسه صُنع على مهل من التاريخ والتربية والتجارب والخوف والرجاء، حتى صار اختيار الإنسان يحمل في طياته أصداء من صنعه وصنع غيره؟
إن الطفل الذي يتربى على الطمأنينة يختار بثقة، والذي يتربى على الخوف يختار هرباً، والذي يتربى على الحرمان يختار تعويضاً؛ فهل يمكن أن نقول إنهم جميعاً اختاروا بالطريقة ذاتها؟ أم أن اختياراتهم اختارتهم قبل أن ينطقوا بها؟
ومع ذلك؛ لا يمكن أن نمنح العوامل الخارجية حكماً مطلقاً على إرادتنا، فثمة لحظة داخلية أشبه بنقطة ضوء يتدخل فيها الإنسان تدخلاً مباشراً، فيرفض ما شُكّل له، ويعيد ترتيب مساره، ويقول: هذا أنا، وهذا اختياري.
إنها لحظة الوعي التي لا يستطيع فيها التاريخ ولا الخوف أن يملي على الإنسان طريقه، ففي تلك اللحظة يتجاوز الإنسان طبقات من العادات والرغبات والضغوط، ويقف أمام ذاته عارياً من كل ما كُتب عليه، ليبدأ في كتابة ما يريد هو أن يكونه.
وهذا التوتر بين ما نختاره نحن وما يختار لنا؛ هو جوهر التجربة الإنسانية، فالحياة ليست حسماً بين الحرية والقيد، بل هي رقصة دقيقة بينهما.
نحن لسنا أحراراً مطلقاً، ولسنا أسرى بالكامل، إنما نتحرك في مساحة تتسع وتضيق بقدر وعينا. ولعلّ أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع أن يحول الخيار المفروض إلى خيار مختار، وأن يجعل مما وُضع أمامه طريقاً يقوده إلى ما يليق به، لا ما فرض عليه. ولأن الإنسان كائن يبحث عن معنى، فهو يحوّل اختياراته – مهما كانت مصادرها – إلى سردية شخصية يفسّر بها ذاته، قد يكون قد اختير له طريق ما، لكنه حين يمشي فيه بكامل وعيه، يتحوَّل الطريق إلى جزء من هويته، ويصير الاختيار المختار صيرورة لا لحظة، ومساراً لا قراراً عابراً، وهنا فقط يتحقق التوازن بين الإرادة والقَدَر، ويغدو الإنسان شريكاً في تشكيل مصيره، لا متفرجاً عليه.
إذن؛ كيف نجعل مما اختير لنا فضاءً نختاره نحن بإرادتنا؟ فالإرادة وعي يحوّل كل شيء إلى مادةٍ تُعاد صياغتها، وحين يصل الإنسان إلى هذه النقطة، يصبح قادراً على رؤية الحياة بوضوح أكبر، وأن الخيار الحقيقي هو ذلك الذي يعلن فيه الإنسان: هذه طريقي، حتى لو بدأها غيري، فأنا من يكملها، حينها يمكن القول «خِياراتُنا المُختارة».
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات