التخطي إلى المحتوى

من المحادثة إلى البرمجة: حدود قدرات الذكاء الاصطناعي

تخيل أن لديك زميلاً في العمل يمكنه كتابة التطبيقات واختبارها، وتصميم واجهات المستخدم، واتخاذ قرارات تعتمد على الذوق والحكم الشخصي، كل ذلك قبل أن تتناول قهوتك الصباحية.

 

هذا الزميل ليس بشرياً، بل ذكاء اصطناعياً، وهو الصورة التي يروّج لها بعض المستثمرين والمديرين التنفيذيين في التكنولوجيا.

 

 

وفي الوقت ذاته، هناك من ينظر إليه كأداة متواضعة، تشبه محرك بحث متطور أو مساعد يكتب قوائم التسوق.

 

النقاش حول قدرات الذكاء الاصطناعي وتوقعاته المستقبلية يبدو اليوم أكثر انقساماً من أي وقت مضى.

 

التباين في وجهات النظر حول الذكاء الاصطناعي يعود جزئياً إلى اختلاف تجربة الناس مع هذه التكنولوجيا.

 

كما يوضح مات ميرفي، شريك في شركة ” مينلو فنتشرز” Menlo Ventures  ومستثمر في شركات مثل “أنثروبك” Anthropic، أن “هناك طيفاً واسعاً من مدى تعرض الناس للتكنولوجيا، ومدى استخدامهم لها، وهذا الأمر يتغير بسرعة كبيرة”.

 

النسخة المجانية مقابل المدفوعة

 

يقتصر تعامل الكثير من المستخدمين مع الذكاء الاصطناعي على النسخ المجانية التي تساعدهم في مهام بسيطة مثل إعداد قوائم التسوق أو تنظيم الرحلات، ما يعطي انطباعاً محدوداً عن قدرات التقنية.

 

أفاد تقرير من “مينلو فنتشرز” صدر في يونيو/حزيران الماضي بأن 3% فقط من مستخدمي الذكاء الاصطناعي هم مشتركون مدفوعون، ولكن ميرفي يتوقع أن تتغير هذه النسبة سريعاً.

 

النسخ المدفوعة توفر ميزات أكثر تقدماً، مثل الوكلاء القادرين على إنجاز بعض الأعمال تلقائياً بدلاً من الاكتفاء بالدردشة أو توليد النصوص.

 

على سبيل المثال، وكيل العمل “كلاود كوورك”Claude Cowork  من شركة أنثروبك متاح فقط في خطة  “برو” الشهرية بقيمة 20 دولاراً أو أعلى، والأمر مشابه لأداة  “كوديكس” البرمجية من  “أوبن أيه آي”.

 

سوق العمل

 

هذا النوع من الذكاء الاصطناعي هو ما يثير القلق بشأن تأثير التقنية على سوق العمل.

 

مات شومر، مستثمر ورئيس تنفيذي سابق لشركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، كتب مقالة فيروسية ادعى فيها أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينفذ أي مهمة تتطلب الجلوس أمام جهاز الكمبيوتر.

 

وقال شومر: “أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبني تطبيقاً معيّناً، يحدد تدفق المستخدم، التصميم، وكل شيء. وهو يفعل ذلك، يكتب عشرات الآلاف من الأسطر البرمجية، ويختبر التطبيق ويتخذ قرارات تتعلق بالذوق والحكم”.

 

ثم أضاف شومر أنه إذا استطاع الذكاء الاصطناعي كتابة الشيفرة بهذا المستوى، فقد يبدأ في تحسين نفسه تلقائياً.

 

 

ادعاءات مبهمة

 

مع ذلك، أثار استخدام شومر لهذا السيناريو شكوك الخبراء، إذ إن الادعاءات كانت مبهمة حول أي نموذج استخدمه، ونوع التطبيق الذي بناه.

 

شومر أوضح لاحقاً أنه اعتمد على أداة  “كوديكس”  من GPT-5.3، واختبر التطبيق في مشروع متوسط إلى عالي التعقيد.

 

فجوة التوقعات: بين المجاني والمدفوع

 

إميلي ديجو، أستاذة في جامعة كارنيجي ميلون، تؤكد أن الافتراضات المبنية على النسخ المجانية من الذكاء الاصطناعي مضللة.

 

فهي تعمل على تعليم استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال التجارية، وتوضح أن النسخ المجانية جيدة في كتابة الملخصات وتوليد المحتوى، لكنها لا تصل إلى مستوى العمق الذي توفره النسخ المدفوعة.

 

يشبه أورين إتزوني، أستاذ فخري في جامعة واشنطن والرئيس التنفيذي السابق لمعهد ألين للذكاء الاصطناعي، الفرق بين النسخة المجانية والمدفوعة بـ”متدرب متحمس لكنه غير متمرس مقابل متدرب مجرب وعامل بجد”.

 

النسخ المجانية قد تقدم نصائح جيدة، وتفتح حوارات مفيدة، لكنها ليست كافية للقيام بوظائف معقدة تتطلب خبرة، مثل العمل القانوني أو التحليلي العميق.

 

مع ذلك، بدأت الشركات تقليص الفجوة بين النسخ المجانية والمدفوعة.

 

على سبيل المثال، أعلنت  أنثروبك عن إطلاق نموذج  Sonnet 4.6 الذي يقترب في أدائه من النماذج المتقدمة المتاحة للمشتركين المدفوعين، ما يقلل الفروقات تدريجياً.

 

توترات العمل والمستقبل الوظيفي

 

بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل يشكل جزءاً من الحياة الرقمية اليومية، من توليد النصوص والصور إلى تقديم المساعدة والبحث.

 

إطلاق أدوات مخصصة للصناعات، مثل التحليل القانوني أو المالي، أثار موجة من القلق حول إمكانية أتمتة الوظائف المعرفية على نطاق واسع، خاصة بعد مقالة شومر التي سلطت الضوء على قدرات الذكاء الاصطناعي في تطوير البرمجيات.

 

لكن هناك أيضاً تزايداً في التشكيك بقدرات الذكاء الاصطناعي على الوفاء بهذه التوقعات العالية، خاصة عندما تصدر التصريحات من رؤساء تنفيذيين لهم مصلحة مالية مباشرة في نجاح التقنية.

 

 

أظهرت بعض الدراسات نتائج متباينة حول مدى كفاءة الذكاء الاصطناعي في المهام العملية.

 

وجد فريق من الباحثين في مركز أمان الذكاء الاصطناعي  Center for AI Safety  و”سكايل إيه آي” Scale AI  أن النماذج الرائدة تنتج نتائج غير دقيقة عند تكليفها بمهام مثل تصور البيانات أو تطوير ألعاب فيديو.

 

كما أن دراسة من مركز  Model Evaluation and Threat Research أشارت إلى أن المطورين استغرقوا 19% وقتاً أطول على الشيفرة عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المبكرة في 2025.

 

أداة مساعدة فقط

 

في هذا السياق يؤكد جيمس لانداي، مؤسس مشارك لمعهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي الموجه للإنسان، أن دور الذكاء الاصطناعي في تطوير البرمجيات يُبالغ فيه أحياناً.

 

الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تسرع العمل لكنها لا تغني عن المبرمجين، والنماذج ليست قادرة على الكتابة الذاتية الكاملة.

 

كما أن الوظائف الأخرى غالباً لا تتبع منطق البرمجة، وبالتالي لا يمكن تطبيق نفس القدرات عليها.

 

البرمجة منظمة ومنطقية، وهذا ما يجعلها مناسبة لاختبار الشيفرة والتأكد من صحتها.

 

أما الوظائف الأخرى، فهي غالباً غير منظمة بهذه الطريقة.

 

 بين الثورية والمبالغة

 

سيغير الذكاء الاصطناعي بلا شك العديد من الصناعات، لكنه ليس ثورة كاملة يمكنها استبدال البشر في كل الوظائف المعرفية.

 

النسخ المجانية قد تمنحك لمحة عن قدراته، بينما النسخ المدفوعة تكشف إمكانياته العميقة، ما يخلق فجوة بين الواقع والتصور العام.

 

التحدي الآن يكمن في فهم هذه الفجوة، والتعامل مع تطورات الذكاء الاصطناعي بحذر، دون المبالغة في التوقعات أو التقليل من إمكانياته الحقيقية.

 

في النهاية، ربما يكون الحل هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كزميل عمل متطور، يمكنه تسريع مهام معينة ومساعدتك في المشاريع المعقدة، لكن لا يمكن اعتباره بديلاً عن الخبرة البشرية، على الأقل حتى الآن.

 

المصدر: “سي إن إن”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا