التخطي إلى المحتوى

حين تسبق الأسواق عقول المستثمرين .. هل البشر خارج دائرة القرار؟

في أفلام الحركة يتكرر مشهد الرصاصة التي تخرج من السلاح متجهة إلى هدفها، فيما يتم إبطاء حركتها حتى يستطيع المشاهد متابعة مسارها بوضوح ثم فجأة تعود لسرعتها الطبيعية لتخترق الهدف في جزء من الثانية، لكن في الأسواق المالية لا يوجد زر لإبطاء المشهد.

 

الرصاصة هنا ليست سوى صفقة، ومسارها لا يُعرض ببطء، بل ينطلق بسرعة تتجاوز قدرة العين والعقل على المتابعة.

 

 

ففي أجزاء من الميكروثانية، تتغير الأسعار، وتنفذ الأوامر، ويعاد كتابة موازين العرض والطلب قبل أن يستوعب المستثمر ما حدث أصلًا، فالأسواق المالية لم تعد تنتظر قرار الإنسان، بل أصبحت تسبقه، وتتجاوزه بمراحل.

 

وفي عالم يُقاس فيه التفوق بأجزاء ضئيلة من الثانية، يبرز سؤال أعمق: هل تطورت الأسواق إلى درجة تجاوزت حدود الإدراك البشري؟

 

لم يعد هذا التساؤل مجرد طرح فلسفي، فأسواق اليوم تتشكل بواسطة آلات قادرة على معالجة ملايين الإشارات، وتنفيذ الصفقات في أجزاء من الميكروثانية، والاستجابة قبل أن يتمكن الدماغ البشري حتى من إدراك أن هناك تغيرًا.

 

وبالطبع هناك تداعيات عميقة لهذا التطور، إذ أصبحت تمس كل شيء من عدالة الأسواق إلى استقرارها.

 

انفجار السرعة..ومعضلة ميكروثواني الآلات

 

على مدى معظم تاريخ الأسواق المالية، كانت تتحرك بسرعة الإدراك البشري، يقرأ المتداول الأخبار، يحلل البيانات، ويتخذ القرار خلال دقائق أو ساعات أو حتى أيام، لكن هذا النموذج انهار بالكامل.

 

فأنظمة التداول عالي التردد اليوم تعمل بسرعات تتراوح بين 1 إلى 100 ميكروثانية، وتعالج أكثر من مليون رسالة في الثانية الواحدة بحسب موقع تريد ويذ ذا بروز.

 

وللتوضيح، يبلغ متوسط زمن استجابة الإنسان حوالي 200 ميلي ثانية، ما يعني أن الآلات تعمل بسرعة تفوق الإدراك البشري بما يصل إلى 2000 مرة.

 

أما من حيث الحجم، فالصورة أكثر وضوحًا: تمثل شركات التداول عالي التردد نحو نصف حجم التداول في سوق الأسهم الأمريكية، حيث تنفذ ملايين الأوامر في أجزاء من الثانية بحسب ورقة بحثية على منصة آركسايف.

 

ويمتد تأثير التداول عالي التردد إلى أسواق رئيسية، ففي أوروبا، يشكل التداول الآلي نسبة كبيرة من حجم التداول في الأسهم، وقد ارتفع هذا الحضور بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

 

وتشير بيانات بعض الجهات التنظيمية إلى أن التداول الخوارزمي يمثل حوالي 75% من حجم تداول الأسهم في الأسواق الأوروبية الكبرى مثل لندن وفرانكفورت وأمستردام، مقارنة بنحو 45% قبل عدة سنوات.

 

 

وفي آسيا، يُسجل نشاط التداول عالي التردد نموًا قويًا أيضًا، مع توقعات بأن هذا السوق سينمو في المنطقة سينمو بمعدل يصل إلى 8% حتى عام 2030، بدافع من توسع التكنولوجيا المالية واعتماد بنى تحتية عالية السرعة في مراكز مالية مثل طوكيو وسنغافورة.

 

على سبيل المثال، بلغت الإيرادات المرتبطة بنشاط التداول عالي التردد في آسيا والمحيط الهادئ حوالي 2.37 مليار دولار أمريكي في 2024 مع توقع أن تصل إلى حوالي 3.88 مليار دولار بحلول 2030.

 

وتعد الحوافز الاقتصادية من أبرز دوافع سباق السرعة الهائل، ففي عام 2024، حققت استراتيجيات التداول عالي التردد إيرادات تقدر بحوالي 10.4 مليار دولار أمريكي، مع توقع ارتفاعها إلى 16 مليار دولار بحلول عام 2030.

 

كما تجاوز حجم السوق 11 مليار دولار في عام 2025 وفقًا لتقديرات جراند فيو ريسيرش، لكن الأهم من ذلك ليس حجم السوق بحد ذاته، بل طبيعة المنافسة داخله؛ فبعد أن كانت تُقاس بالميلي ثانية، أصبحت اليوم تُحسم بفروق زمنية تُقاس بالنانوثانية.

 

وتشير تقارير إلى أن شركات التداول تتنافس على فروق زمنية لا تتجاوز 3.2 نانوثانية فقط  بحسب صحيفة وول ستريت جورنال.

 

في مثل هذا الواقع، لم يعد السؤال: هل يستطيع الإنسان مواكبة السوق؟ وتحول إلى هل ما زال جزءًا منه أصلًا؟

 

صعود تفوق الآلة

 

السرعة في الأسواق ليست عاملًا محايدًا، بل تُنتج رابحين وخاسرين، وبشكل متزايد، الرابحون هم أصحاب أسرع الأنظمة، وليس أفضل التحليلات.

 

من أبرز الظواهر في هذا السياق ما يُعرف بـ”مراجحة الكمون”، حيث يتم استغلال الفروقات الزمنية، وإن كانت ضئيلة للغاية، بين وصول المعلومات إلى المتعاملين وبين قدرتهم على تنفيذ الأوامر.

 

ببساطة، يحصل بعض المتداولين على البيانات أسرع من غيرهم بجزء من الميكروثانية، ما يمنحهم فرصة للتصرف قبل أن تصل نفس المعلومة إلى بقية السوق.

 

 

على سبيل المثال، إذا تحرك سعر سهم في بورصة معينة، فإن المتداول الأسرع يمكنه رصد هذا التغير وتنفيذ صفقة في بورصة أخرى قبل أن ينعكس السعر الجديد عليها.

 

هذه العملية تتم في زمن لا يمكن للبشر ملاحظته، لكنها تتيح تحقيق أرباح متكررة من فروقات سعرية صغيرة جدًا، تتراكم مع الوقت لتصبح كبيرة.

 

وبذلك، لا تعتمد الأرباح هنا على قراءة أفضل للسوق أو تحليل أدق، بل على السبق الزمني أي الوصول أولًا، ولو بفارق ضئيل لا يقاس إلا بأجزاء من الثانية.

 

وتشير الأبحاث إلى أن البيانات المباشرة قد تصل بسرعة عشرات الميكروثواني، بينما قد تتأخر الأنظمة العامة إلى أكثر من 1000 ميكروثانية، ما يخلق فجوة سرعة تتجاوز 50 ضعفًا بحسب دراسة نشرتها آركسايف.

 

هذه الفجوة تتيح للمتداولين الأسرع التصرف بناءً على المعلومات قبل أن تصل إلى الآخرين، وتؤكد التقديرات أن هذه الظاهرة لا تقتصر على النماذج النظرية، بل تنعكس فعليًا على نتائج التداول في الأسواق.

 

وبحسب تلك التقديرات، فإن هذه الميزة الزمنية تؤدي إلى تحويل نحو 5 مليارات دولار أمريكي سنويًا من المستثمرين الأبطأ إلى الأسرع.

 

وقد كشفت أحداث واقعية عن هشاشة هذا النظام، ففي انهيار السوق الخاطف عام 2010، تراجعت الأسواق بشكل حاد خلال دقائق، نتيجة تفاعل أنظمة التداول الآلي مع بعضها البعض بسرعة كبيرة.

 

وتصدر المشهد اختفاء السيولة فجأة، وحدوث تشوهات سعرية حادة، حيث تم تداول بعض الأسهم بأسعار غير منطقية لفترة قصيرة.

 

ومؤخرًا، بدأت الجهات التنظيمية في التدخل، ففي عام 2026، فرضت السلطات الصينية قيودًا على وصول شركات التداول عالي التردد إلى مراكز بيانات البورصات، بهدف تقليل تفوق السرعة وتحقيق استقرار أكبر.

 

بل إن بعض البورصات أدخلت ما يُعرف بـ”مصدات السرعة”، وهي تأخيرات متعمدة تُقاس بالميكروثانية، لإبطاء التداول وتحقيق قدر من العدالة.

 

كل ذلك يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السرعة إذا تُركت دون ضوابط قد تؤثر على عدالة السوق.

 

أقل قابلية للفهم

 

أصبحت الأسواق أكثر استقلالية مع تسارعها، لكن في الوقت نفسه باتت أقل قابلية للفهم.

 

وتعتمد الأنظمة الحديثة على خوارزميات معقدة، وبشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، هذه الأنظمة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات -من تحركات الأسعار إلى تدفقات الأوامر وحتى الأخبار- في الوقت الحقيقي، واستخلاص أنماط لا يمكن للبشر رؤيتها.

 

يمكن لنظام تداول عالي التردد واحد تنفيذ آلاف الصفقات في الثانية، والتفاعل مع الإشارات في أجزاء من الثانية، وفي مثل هذا السياق يتحول دور الإنسان من صانع قرار إلى مراقب لاحق.

 

 

هنا يظهر مفهوم “فجوة الفهم” فحتى إذا استطاع الإنسان تحليل ما حدث لاحقًا، فإنه لا يستطيع التدخل في الوقت الحقيقي، تصبح الأسواق أشبه بنظم معقدة ذاتية التكيف، حيث تنتج التفاعلات بين الخوارزميات سلوكيات ناشئة لا يفهمها أي طرف بشكل كامل.

 

وهذه ليست مجرد مسألة تقنية، بل إدراكية، فالبشر محدودون في سرعة المعالجة والانتباه والعاطفة، بينما تعمل الآلات بشكل مستمر وبدون انحيازات، وهو ما يؤدي إلى فجوة متزايدة بين ما يحدث في السوق وما يمكن للإنسان فهمه.

 

ورغم الدعم الذي تقدمه التطورات التكنولوجية لأسواق المال، فإن التحول الحالي مختلف إذ إنه ليس فقط أسرع، بل يتجاوز حدود الإدراك البشري ذاته.

 

ويعكس ذلك الحاجة إلى آليات تساعد المتداولين على استيعاب ما يحدث داخل الأسواق كما كان يفعل مخرجوأفلام “بروس لي” حينما كانوا يلجئون إلى إبطاء حركات ضرباته السريعة جدًا حتى يستطيع المشاهد إدراك تلك الحركات في مشاهد القتال.

 

وإذا استمر الاتجاه الحالي، فقد نحصل على أسواق أكثر كفاءة، لكنها أكثر غموضًا، وأكثر سيولة لكنها أكثر هشاشة، وأكثر ربحية لكنها أقل عدالة، أما إذا تم إبطاء الأسواق أو إعادة تصميمها، فقد نستعيد التوازن بين الإنسان والآلة.

 

في النهاية، التحدي ليس في إيقاف التقدم، بل في مواءمته مع الفهم، فالسوق الذي يتحرك أسرع مما يمكن فهمه، ليس مجرد سوق متقدم، بل سوق يحمل في داخله مخاطر غير مرئية، وقد لا يكون قابلًا للسيطرة أيضًا.

 

المصادر: أرقام- فوربس- جراند فيو ريسيرش- آركسايف- لوكس ألجو- تريد ويذ ذا بروز- هيدلاندز تكنولوجيز- رويترز- وول ستريت جورنال- فايننشال تايمز

للمزيد من المقالات

اضغط هنا