التخطي إلى المحتوى

شركات بلا أصول ضخمة تتصدر قائمة الأكبر في العالم .. ما القصة؟

امتلاك مصانع أكثر، أو أصول عقارية أكبر، أو أساطيل نقل أضخم كان من أبرز مقاييس قوة الشركات لفترة طويلة من التاريخ الاقتصادي الحديث، إذ تُقاس قدرة الشركة بحجم الأصول المادية التي تمتلكها، ولكن الوضع اختلف كثيرًا في الوقت الحالي.

 

هكذا بنت شركات مثل جنرال موتورز وإكسون موبيل وجنرال إلكتريك إمبراطورياتها خلال القرن العشرين، إذ ارتبطت قوة الشركات آنذاك بحجم ما تمتلكه من أصول مادية.

 

 

لكن الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين أفرز مفارقة لافتة، إذ أصبحت بعض أكثر الشركات قيمة في العالم تمتلك أصولًا مادية محدودة للغاية مقارنة بالشركات التقليدية.

 

فهناك شركات نقل لا تمتلك سيارات، ومنصات سياحية لا تبني فنادق، وشبكات مدفوعات تدير تريليونات الدولارات دون أن تمنح القروض بنفسها.

 

والأكثر إثارة أن هذه الشركات لا تعد صغيرة أو ناشئة، بل أصبحت من بين أكبر الشركات في العالم من حيث القيمة السوقية.

 

وفي هذا النموذج الجديد، أصبحت قيمة الشركات ترتبط بدرجة أكبر بالمنصات التي تديرها والشبكات التي تتحكم فيها، وليس بحجم الأصول التي تمتلكها.

 

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لشركات تبدو وكأنها تمتلك القليل من الأصول أن تصبح من بين أكبر الشركات في العالم من حيث القيمة السوقية؟

 

لفهم هذه الظاهرة، لا بد من النظر إلى التحول الكبير الذي طرأ على الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة، حيث أصبحت المنصات الرقمية، والبيانات، والشبكات، والبرمجيات أهم من الأصول المادية.

 

وهذا التحول خلق نموذجًا اقتصاديًا جديدًا يُعرف باسم الشركات خفيفة الأصول، وهي شركات تحقق قيمة هائلة رغم امتلاكها أصولًا مادية محدودة نسبيًا.

 

سحر اقتصاد المنصات

 

أحد أبرز مظاهر هذا التحول هو ظهور شركات المنصات؛ وهي شركات تربط بين البائعين والمشترين دون أن تمتلك الأصول المستخدمة في المعاملات.

 

في هذا النموذج، لا تحاول الشركة امتلاك الأصول المستخدمة في تقديم الخدمة، بل تركز على بناء منصة تربط بين العرض والطلب، وتعد شركة إير بي إن بي من أبرز النماذج في هذا السياق.

 

وعلى عكس سلاسل الفنادق التقليدية التي تستثمر مليارات الدولارات في شراء الأراضي وبناء الفنادق، لا تمتلك الشركة في الغالب العقارات المعروضة على منصتها.

 

بل تقوم بدور الوسيط الرقمي الذي يربط المسافرين بملايين المضيفين حول العالم الذين يعرضون منازلهم أو شققهم للإيجار.

 

 

ورغم ذلك، تدير الشركة سوقًا ضخمًا؛ فقد تجاوزت قيمة الحجوزات عبر المنصة نحو 91 مليار دولار في عام 2025، ويعكس هذا الرقم الحجم الضخم للنشاط الاقتصادي الذي تديره عبر منصتها الرقمية.

 

مقارنة بين المؤشرات المالية لشركتي ماريوت وإير بي إن بي وفقًا للبيانات المالية لعام 2025







المؤشر المالي

ماريوت


(دولار أمريكي)

إير بي إن بي


(دولار أمريكي)

الإيرادات الإجمالية

26.19 مليار

12.2 مليار

صافي الربح

2.60 مليار

2.51 مليار

هامش الربح الصافي

10%

21%

 

وينطبق الأمر نفسه على شركة أوبر تكنولوجيز، التي أعادت تشكيل قطاع النقل الحضري حول العالم.

 

وبينما كانت شركات التاكسي التقليدية تعتمد على امتلاك أساطيل من السيارات ومراكز تشغيل، قامت أوبر ببناء منصة رقمية تربط بين الركاب والسائقين الذين يستخدمون سياراتهم الخاصة.

 

وقد بلغ حجم نشاط أوبر مستويات هائلة؛ حيث نفذت الشركة نحو 3.8 مليار رحلة خلال الربع الرابع من عام 2025، أي ما يعادل أكثر من 40 مليون رحلة يوميًا عبر منصتها حول العالم. وخلال الفترة نفسها حققت الشركة إيرادات بلغت نحو 14.4 مليار دولار أمريكي.

 

وتوضح هذه الأمثلة تحولًا جوهريًا في طبيعة القوة الاقتصادية، وبدل امتلاك الأصول المستخدمة في تقديم الخدمة، تركز هذه الشركات على امتلاك البنية الرقمية التي تنظم استخدام تلك الأصول.

 

هذا النموذج يقلل بدرجة كبيرة من الحاجة إلى الاستثمارات الرأسمالية الضخمة، ويسمح للشركات بالتوسع بسرعة هائلة.

 

وبينما تحتاج الشركات العاملة في قطاع الفنادق إلى سنوات لبناء فندق جديد، يمكن لمنصة رقمية إضافة آلاف الوحدات السكنية الجديدة خلال فترة قصيرة بمجرد انضمام مضيفين جدد.

 

بعبارة أخرى، أصبحت المنافسة في العديد من القطاعات تدور حول من يسيطر على السوق الرقمية أكثر من كونها حول من يمتلك الأصول المادية.

 

عندما تتجاوز القيمة السوقية الأصول

 

من أبرز الأمثلة التي توضح قوة هذا النموذج شركة بوكينج هولدينجز، المالكة لمواقع سفر شهيرة مثل بوكينج دوت كوم وبرايس لاين وأوبن تيبل.

 

هذه الشركة لا تمتلك الفنادق التي تُحجز عبر منصاتها، لكنها تدير واحدة من أكبر شبكات حجز السفر في العالم.

 

 

وتكشف الأرقام عن حجم المفارقة؛ إذ يبلغ إجمالي أصول الشركة نحو 29 مليار دولار في عام 2025 بينما تبلغ القيمة السوقية للشركة نحو 137 مليار دولار في 2026، أي أن القيمة السوقية للشركة تفوق أصولها بحوالي خمس مرات.

 

هذه الفجوة تعكس حقيقة مهمة، وهي أن القيمة الحقيقية للشركة لا تكمن في الأصول المادية، بل في المنصة الرقمية وشبكة المستخدمين العالمية التي تديرها.

 

فملايين الفنادق والشقق حول العالم أصبحت تعتمد على هذه المنصة للوصول إلى المسافرين، وهو ما يمنح الشركة قوة هائلة في السوق رغم امتلاكها أصولًا محدودة حيث يرتبط صعود الشركات خفيفة الأصول ارتباطًا وثيقًا بظاهرة اقتصادية أخرى.

 

تتمثل هذه الظاهرة في تزايد أهمية الأصول غير الملموسة، وتشمل البرمجيات والخوارزميات وحقوق الملكية الفكرية والبيانات والعلامات التجارية والشبكات الرقمية، ورغم أنها لا تظهر في شكل مادي، فإنها قادرة على توليد قيمة اقتصادية هائلة.

 

وتشير دراسات إلى أن الأصول غير الملموسة تمثل نحو 90% من القيمة الإجمالية لشركات مؤشر إس آند بي 500، مقارنة بحوالي 17% فقط في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

 

ويعكس موقع بعض هذه الشركات في التصنيفات العالمية حجم نفوذها الاقتصادي؛ فعلى سبيل المثال تحتل شركة فيزا المرتبة 126 عالميًا في قائمة فوربس لأكبر 2000 شركة في العالم لعام 2025، وهي قائمة تعتمد على الإيرادات والأرباح والأصول والقيمة السوقية.

 

وعلى عكس البنوك التقليدية التي تعتمد على الإقراض وتملك محافظ قروض ضخمة، تعمل فيزا أساسًا كمشغل لشبكة مدفوعات عالمية تربط بين المستهلكين والتجار والمؤسسات المالية.

 

وتكمن القيمة الأساسية للشركة في شبكة المدفوعات والبنية التكنولوجية والعلامة التجارية العالمية التي طورتها عبر عقود.

 

وتشير البيانات إلى أن قيمة الشهرة والأصول غير الملموسة لدى فيزا تجاوزت 47.5 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ما يعكس الدور الكبير لهذه الأصول في نموذج أعمال الشركة.

 

 

وينطبق الأمر ذاته على العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت وألفابت وميتا بلاتفورمز، التي تعتمد بشكل رئيسي على البرمجيات والبنية السحابية والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.

 

وما يميز هذه الأصول أنها قابلة للتوسع على نطاق عالمي بتكاليف إضافية محدودة نسبيًا، فالبرنامج الذي تم تطويره مرة واحدة يمكن استخدامه من قبل مئات الملايين أو حتى مليارات المستخدمين حول العالم.

 

المستثمرون يفضلون الشركات ذات الأصول الخفيفة

 

لا يقتصر صعود الشركات خفيفة الأصول على التطورات التكنولوجية فحسب، بل يرتبط أيضًا بخصائص مالية تجعلها جذابة للغاية للمستثمرين.

 

أولى هذه المزايا هي قابلية التوسع السريع، فهذه الشركات لا تحتاج إلى بناء مصانع أو شراء معدات ضخمة للتوسع، بل يمكنها زيادة عدد المستخدمين بسرعة عبر المنصات الرقمية.

 

فكلما زاد عدد المستخدمين على منصة معينة، أصبحت أكثر قيمة، فزيادة عدد السائقين على منصة أوبر تجذب المزيد من الركاب، وزيادة عدد المضيفين على إير بي إن بي تجذب المزيد من المسافرين.

 

الميزة الثانية هي الكفاءة الرأسمالية، فالصناعات التقليدية مثل الطيران أو التصنيع أو العقارات تتطلب استثمارات ضخمة قبل تحقيق الإيرادات، أما الشركات الرقمية فتحتاج عادة إلى استثمارات أقل بكثير مقارنة بحجم الإيرادات المحتملة.

 

كما تتمتع هذه الشركات بقدر أكبر من المرونة خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، نظرًا لأنها لا تتحمل أعباء صيانة أصول مادية ضخمة مثل المصانع أو الطائرات أو العقارات.

 

 

ومع ذلك، فإن هذا النموذج ليس خاليًا من التحديات، إذ تعتمد شركات المنصات بشكل كبير على شركاء خارجيين مثل السائقين أو المضيفين أو التجار، وهو ما قد يخلق مخاطر تنظيمية أو تشغيلية في حال تغير القوانين أو انتقال هؤلاء الشركاء إلى منصات منافسة.

 

لكن رغم هذه التحديات، تظل الشركات خفيفة الأصول من بين أكثر النماذج الاقتصادية جذبًا للمستثمرين في العصر الرقمي.

 

ومع صعود اقتصاد المنصات والبيانات، باتت القيمة الحقيقية للشركات تُبنى على قدرتها على تنظيم الأسواق وربط ملايين المستخدمين عبر شبكات رقمية واسعة.

 

وفي هذا النموذج الجديد، يمكن لشركة بأصول بسيطة أن تدير نشاطًا اقتصاديًا يفوق في حجمه شركات تقليدية تمتلك أصولًا بمليارات الدولارات.

 

ومع تسارع تطور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، يبدو أن هذا التحول مرشح للتعمق أكثر في السنوات المقبلة، حيث ستزداد أهمية المنصات والشبكات والبيانات في تشكيل موازين القوة الاقتصادية.

 

وفي عالم كهذا، قد لا تُقاس قوة الشركات بما تمتلكه من أصول، بل بقدرتها على إدارة الأسواق التي تتحرك فيها تلك الأصول.

 

المصادر: أرقام- شركة أوبر- ذا موتلي فول- مؤشر إس آند بي 500- ماكروتريندز- فيجوال كابيتاليست- شركة ماريوت- شركة إير بي إن بي

للمزيد من المقالات

اضغط هنا