سقوف إيران وإسرائيل
منذ أن انطلقت المعركة والأخبار والتحليلات تدور في منطقة السلاح من صواريخ ودفاعات وأهداف مدنية، مثل محطات تحلية مياه أو تكرير نفط، أو في منطقة الوساطات والبحث عن مخرج دبلوماسي، ومن يضغط هنا أو هناك ليدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات العصية.ولكن ماذا عن عوامل أخرى حاسمة لدى كل طرف في المعركة، وأولها الأمن الغذائي، فإسرائيل تعتمد على الاستيراد في المنتجات الأساسية: حبوب الأعلاف، السكر، الأرز، والقمح، بحسب موقع وزارة التجارة الأمريكية، والتي تشير إلى أن صادراتها لإسرائيل تقارب 5% فقط، كما أن روسيا وأوكرانيا كانتا المصدر الرئيسي للقمح حتى 2022 حين اندلعت الحرب بينهما، وهنا يأتي عامل تراكم الأزمات.ثم يأتي العامل اللوجستي، حيث تمر معظم البضائع إلى إسرائيل عبر ميناءين بحريين رئيسيين: حيفا في الشمال وأشدود في الجنوب، إضافة إلى مطار بن غوريون، وجميع المنافذ الثلاثة تتعرّض للقصف الإيراني، وعامل التراكم يأتي مجدداً، حيث ميناء إيلات على البحر الأحمر شبه معطل جرّاء هجمات الحوثيين السابقة.وبينما يوحي الاتساع الجغرافي لإيران ووجود معابر برية تسمح لها بالاستيراد من تركيا وروسيا عبر العراق، بالإضافة إلى إطلالتها على بحر قزوين في الشمال، إلى توسع خياراتها في الواردات الغذائية، إلا أن لديها تحدياً أن إغلاق هرمز يمثل سكب السم في البئر الذي يشرب منه الجميع.مما يؤثر على واردات رئيسية كالأرز والذرة والتي تستورد أكثر من نصفها من الخارج، وكانت تدخل لإيران بشكل رئيسي عبر ميناء بندر عباس وميناء الخميني وكلاهما على الخليج العربي، مما يعني تعذر دخول 14 مليون طن من الحبوب لإيران سنويا مروراً بمضيق هرمز.وفي البحث حول عوامل الصمود الداخلي، يجب عدم تجاهل الحركات الاحتجاجية التي خرجت تباعاً خلال السنوات الأخيرة في طهران، وتم التعامل معها بطبيعة الحال بالغلظة، من مظاهرات أسعار الغذاء والماء، إلى مظاهرات رفع أسعار الوقود في 2019، مروراً بمظاهرات مهسا أميني، حتى المظاهرات الأخيرة بعد السقوط الحر للريال الإيراني في ديسمبر الماضي.وبالطبع لا أتوقع هنا أن المظاهرات ستنتج تغييراً سياسياً خلال الحرب، فنحن لسنا في بروكسل، لكن هذه الضغوط الاقتصادية التراكمية مع تحديات الأمن الغذائي تخلق نواة للانفجار الكامن، مع عدم إغفال أن الإعدامات زادت من 2022 بشكل سنوي حتى 2025، وكل هذا الضغط رشح وجود قبول غير معلن من فئات من الشعب للضربات الأمريكية الإسرائيلية.وعلى مستوى الداخل الإسرائيلي يمثل ملف جنود الاحتياط ضغطاً متصاعداً منذ اندلاع حرب غزة، فتشير صحيفة جيرولزم بوست أن تكرار استدعاء جنود الاحتياط مثل ضغطاً نفسياً وعائلياً عليهم، كما أن هناك تكلفة اقتصادية متراكمة عسكرياً بشكل عام وعلى مستوى رواتب جنود الاحتياط بشكل خاص، حيث تكلف الحرب الراهنه أكثر من 4 مليارات دولار أسبوعياً.وهناك تحدٍ سياسي أيضاً لنتنياهو في ملف جنود الاحتياط، فهو بين نار «الحريديم» وهم اليهود الأرذوكس المتشددون، فطاعتهم في إعفاء طلاب المدارس الدينية يحرم نتنياهو من كل جندي يحتاجه في واحدة من أكبر معارك إسرائيل عبر التاريخ، والتصدي لهم يعني عملياً سقوط حكومته، حيث سيصبح أقلية بخمسين نائباً، من 120 نائباً في الكينيست، وبحسب القناة 12 فإن أي انتخابات ستقلل مقاعد الليكود لـ 27 فقط.وبالتالي فما هو السقف الذي يستطيع تحمّله كل طرف بما يتجاوز القدرات العسكرية، فالقدرة على معالجة الألم الداخلي أو حتى تحمله تكون أحياناً عاملاً أهم من النصر العسكري في حسم المعركة.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات