من المكاتب لغرف المعيشة .. من يدفع ثمن العمل عن بعُد؟
شعر “جون آدامز” بسعادة غامرة عندما أطلقت شركته التي كان يعمل بها مهندس تصميم ومقرها في نيويورك، حيث لم يعد مضطرًا للركض يوميًا في زحام المرور، وبدأ يوفر في التنقل والطعام وحتى الملابس الرسمية.
لكن بعد بضعة أشهر، اكتشف “آدامز” أن الأموال التي وفرها من التنقل والإنفاق اليومي بدأت تتلاشى في مصاريف أخرى لم يكن يتوقعها مثل الإنترنت الأسرع للقيام بمهام العمل، وتزويد الغرفة بجهاز تكييف لجعلها مكانًا مريحًا للعمل وشراء كرسي ومكتب جديد.
هذا بالإضافة إلى المعدات الإضافية مثل شاشة خارجية وفأرة الحاسوب ولوحة مفاتيح احترافية وشراء بعض التطبيقات التي يستخدمها في مهام عمله.
في نهاية المطاف، وجد “آدامز” أنه يدفع تقريبًا نفس المبلغ الذي كان ينفقه سابقًا، لكنه في شكل مختلف.
وأدّى التوسع السريع في العمل عن بعُد خلال جائحة كوفيد-19 وما بعدها إلى إحداث تحوّل عميق في طريقة عمل المؤسسات وتجربة الموظفين للعمل.
فما بدأ كاستجابة طارئة للأزمة الصحية تحوّل إلى تغيّر هيكلي في سوق العمل العالمي، وبحلول عام 2025، كان نحو 22% من العاملين في الولايات المتحدة يعملون عن بُعد بشكل كامل أو جزئي، وهو ما يعكس مدى ترسّخ هذا النموذج في الاقتصادات الحديثة.
بالنسبة للشركات، بدا العمل بهذا النموذج وكأنه فرصة واضحة لتحقيق مكاسب لهم عبر خفض التكاليف، فقد أصبح بالإمكان تلافي الإنفاق على المكاتب والإيجارات والخدمات اللوجستية والسفر.
أما بالنسبة للموظفين، فالصورة أكثر تعقيدًا، فبينما يوفر كثير منهم نفقات التنقل وبعض المصاريف اليومية المرتبطة بالعمل المكتبي، يتحملون في المقابل تكاليف جديدة مرتبطة بالعمل من المنزل، مثل الكهرباء والإنترنت وتجهيز مساحة عمل مناسبة.
وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل نجح العمل من المنزل في خفض التكاليف فعلاً، أم أنه نقل جزءًا منها ببساطة من الشركات إلى الأفراد؟
التوفير وراء توسع الشركات بشأن العمل عن بعُد
يُعد تقليل التكاليف التشغيلية أحد أهم الأسباب التي دفعت الشركات إلى تبني العمل عن بعُد أو النماذج الهجينة، فتكاليف العقارات التجارية على سبيل المثال تمثل عبئًا كبيرًا على العديد من الشركات، خاصة في المدن الكبرى ذات الإيجارات المرتفعة.
وتشير دراسات سوق العمل إلى أن الشركات يمكن أن توفر نحو 11 ألف دولار أمريكي سنويًا عن كل موظف يعمل عن بُعد، ويرجع ذلك أساسًا إلى انخفاض الإنفاق على المساحات المكتبية والمرافق والخدمات المكتبية المختلفة، بحسب موقع زيبدو.
وعندما يعمل الموظفون من المنزل، تحتاج الشركات إلى عدد أقل من المكاتب ومساحات أصغر، كما تنخفض مصروفات الكهرباء والتنظيف والصيانة واللوازم المكتبية.
وبالنسبة للشركات الكبيرة التي تضم آلاف الموظفين، يمكن أن يصل ما يتم توفيره إلى مئات الملايين من الدولارات.
وتقدم التجارب الواقعية أمثلة واضحة على حجم هذا التوفير، فقد أعلنت شركة سيسكو سيستمز أنها وفرت نحو 500 مليون دولار من تكاليف العقارات خلال خمس سنوات بعد تطبيق سياسات العمل عن بعُد والعمل الهجين على نطاق واسع.
وإلى جانب سيسكو سيستمز هناك قائمة مطولة من الشركات مثل شركة صن مايكروسيستمز التي حققت توفيرًا يصل إلى 68 مليون دولار سنويًا في تكاليف العقارات بفضل توسيع العمل عن بعُد.
كما أعلنت كل من داو كيمكيال ونورتل عن خفض يزيد عن 30% في تكاليف غير العقارية المتعلقة بالتشغيل بعد اعتماد نماذج عمل مرنة.
كما أظهرت تحليلات حكومية أن هذا التوفير قد يكون ضخم حتى في القطاع العام.
وقدّرت مراجعة حكومية في ولاية كاليفورنيا أن السماح للموظفين بالعمل من المنزل ثلاثة أيام أسبوعيًا يمكن أن يقلل الحاجة إلى المساحات المكتبية بما يكفي لتحقيق توفير يصل إلى 225 مليون دولار سنويًا في تكاليف العقارات الحكومية.
وتشير بعض الدراسات إلى أن نحو 60% من الشركات التي اعتمدت العمل عن بعُد أو النموذج الهجين تمكنت من خفض تكاليف العقارات بنسبة تتراوح بين 25% و50%.
ولا تتوقف الوفورات عند العقارات فقط، فالشركات تقلل أيضًا من الإنفاق على السفر والاجتماعات الحضورية ودعم التنقل اليومي للموظفين.
كذلك ساهم العمل عن بعُد في تقليل تكاليف التوظيف. فبدلاً من البحث عن موظفين في مدينة أو دولة محددة، أصبح بإمكان الشركات الوصول إلى المواهب في مختلف أنحاء العالم دون تحمل تكاليف الانتقال أو فتح مكاتب جديدة.
وتشير بعض الدراسات إلى أن التوظيف عن بُعد يمكن أن يقلل تكاليف التوظيف بنسبة تتراوح من 15 إلى 30% ويقصر مدة التوظيف بنحو 20%.
كما تؤكد تحليلات اتجاهات الشركات أن هناك عدد متزايد منها يخطط لتقليص مساحة مكاتبها أو تغيير طبيعة العقود طويلة الأجل لصالح نماذج أكثر مرونة مثل العمل الهجين.
أعباء على الموظفين
في المقابل، وبينما تحقق الشركات مكاسب من تقليل البنية التحتية المكتبية، يتحمل الموظفون جزءًا من التكاليف المرتبطة ببيئة العمل الجديدة.
تشير استطلاعات عديدة إلى أن الموظفين العاملين عن بُعد ينفقون في المتوسط نحو 4026 دولارًا أمريكيًا سنويًا على نفقات مرتبطة بالعمل من المنزل.
وتشمل هذه النفقات شراء الأثاث المكتبي، مثل الكراسي المريحة والمكاتب، إضافة إلى الشاشات الإضافية، وترقية خدمات الإنترنت، وارتفاع استهلاك الكهرباء والتدفئة أو التكييف أثناء ساعات العمل.
وبذلك تنتقل بعض عناصر البنية التحتية للعمل من الشركة إلى المنزل، ففي بيئة العمل التقليدية كانت الشركة تتحمل تكاليف الكهرباء والأثاث والمعدات والقرطاسية، أما في بيئة العمل عن بعُد، فيتحمل الموظفون جزءًا من هذه المصروفات بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما تختلف هذه التكاليف من شخص لآخر بحسب ظروف السكن ومستوى الدخل.
فالموظفون الذين يمتلكون منازل كبيرة مثلًا قد يستطيعون تخصيص غرفة كاملة كمكتب منزلي، بينما قد يضطر آخرون للعمل في مساحات مشتركة داخل المنزل أو شراء أثاث إضافي لتوفير بيئة عمل مناسبة.
وفي محاولة لتخفيف هذه الأعباء، تقدم بعض الشركات بدلًا ماليًا لموظفيها لتجهيز مكاتبهم المنزلية، قد تصل لمبالغ تتراوح بين 500 و2000 دولار أمريكي لدعم تجهيزات العمل عن بعُد، ومع ذلك، فإن هذه المبالغ غالبًا لا تغطي كامل تكاليف العمل عن بعُد طويل الأجل.
وهناك أيضًا أعباء غير مباشرة قد يتحملها الموظفون، فالعمل عن بعُد يتطلب اتصالًا مستقرًا وسريعًا بالإنترنت، كما قد يضطر الموظفون للتعامل مع مشكلات تقنية كان قسم تقنية المعلومات في الشركات يتولى حلها سابقًا.
وفي بعض المناطق التي ترتفع فيها أسعار الكهرباء أو تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية، قد تصبح هذه التكاليف أكثر وضوحًا، وبالتالي، فإن العمل عن بعُد لا يلغي التكاليف المرتبطة بالعمل، بل يعيد توزيع بعضها بين الشركة والموظف.
مكاسب متبادلة وتغير في خريطة الاقتصاد
على الرغم من التكاليف الجديدة التي يتحملها الموظفون، فإن كثيرًا منهم لا يزال يحقق وفورات مالية من العمل عن بعُد، خاصة نتيجة انخفاض تكاليف التنقل.
وتشير الدراسات إلى أن الموظفين العاملين عن بُعد يمكنهم توفير ما بين 4 و5 آلاف دولار سنويًا نتيجة تقليل نفقات التنقل والطعام خارج المنزل والملابس المهنية.
وفي بعض الحالات قد تكون المكاسب أكبر عندما يرتبط الأمر بالنقل بحسب المسافة التي يقطعها الموظف للوصول إلى مقر عمله وقد يصل التوفير أحيانًا أكثر من 5 آلاف دولار أمريكي سنويًا بحسب تكلفة الوقود أو وسائل النقل العامة.
كما يوفر العمل عن بعُد الوقت أيضًا، فالموظفون يوفرون في المتوسط نحو 54 دقيقة يوميًا نتيجة إلغاء التنقل بين المنزل والعمل حيث يمكن استثمار هذا الوقت في العمل الإضافي أو الأنشطة الشخصية أو العائلية.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه إيرادات بعض القطاعات التي تعتمد على النشاط المكتبي، مثل المطاعم والمقاهي في المناطق التجارية وخدمات النقل الحضري، شهدت قطاعات أخرى نموًا ملحوظًا.
ومن بين تلك القطاعات خدمات الإنترنت، ومنصات الاجتماعات الرقمية، ومعدات العمل المنزلي، وبذلك لم تختفِ التكاليف الاقتصادية المرتبطة بالعمل، بل انتقلت من مراكز المدن إلى الأحياء السكنية والاقتصاد الرقمي.
في النهاية، لم يكن العمل عن بعُد مجرد وسيلة لخفض التكاليف أو نقلها، بل كان عملية إعادة توزيع اقتصادية واسعة أعادت رسم العلاقة بين مكان العمل وتكاليفه.
ومع استمرار انتشار النماذج الهجينة في السنوات القادمة، سيبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن عادل بين ما توفره الشركات وحقوق الموظفين، بحيث لا يتحول العمل عن بعُد من فرصة للكفاءة إلى عبء غير مرئي على الأفراد.
المصادر: أرقام- غلوبال وورك بليس أناليتيكس- فليكس جوبز- إنفستوبيديا- زيبدو ستاتيستكس
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات