طِعْ شوري.. وماطراني
خرج (لَغبان) إلى الدنيا؛ بين تنك البارود، وصليل العتل، ورائحة القاز، فتشبع بروح المغامرة، ورضع من صدر أمه كبر الهمّة؛ واستقى من مندار أبيه إلى الآبار الخطرة وصعوده منها، روح الفداوي اللي على الفلات ناوي، وشبّ عن الطوق؛ أحرش اليدين؛ مفتول الزند؛ ببركة سنّ العتل؛ ونقل المطارق والفوانيس الثقال؛ وطلي الفُرص بالقاز كي لا تصدّي، واختار في طفولته لنفسه عتلة متوسطة المقاس؛ وكان يتدرب يومياً على نقر أقسى وأعتى الصخور، وما يروح البيت إلا بعدما يغدي الصخرة اللي تولّجها فتات.ضعف شيخ القرية، ولا ولد له يحمل راية نوده، ويحفظ ركزة عوده، في بيت جدوده؛ فزهم على الملغّب وقال؛ بنتي (قرمة) قاسية رأس، وولدك (لغبان) دمه فاير يليّن الصُفيان؛ خلّ ما يليّن رأسها اللي كما النبقة؛ وانكتب النصيب، والنصيب غصيب، ولكن الأنثى المغناج؛ طوّعت المراهق النفاج، فالأنوثة سلاحها في مجابهة أمه ووالده الملغّب؛ اللي كل ما أصبح وسمع خرير الماء في الطشت؛ قال؛ خافي الله يا قرمة في الملاوك نشف مخه؛ وما عاد فيه سرّة ينقر حصى المقلّع، نعمة في الأسبوع مرة، وكأنه يقول لها؛ أشووو.دعا العريفة؛ الفقيه والموامين؛ وقال؛ ما بقي من عمري كثر ما مضى؛ وإن ودكم بالهيبة فاعطوا عرافتكم الملغّب؛ خصفة، وصحفة وبلاد وغراس؛ وصلابة راس؛ وإن كان تدورون الخيبة فاعطوها الفقيه؛ انقلب وجه الفقيه؛ وقال؛ عشان أعطيتاهم بنتك؟ وش فيهم أحسن منّا؛ ردّ عليه بالقول الفصل؛ لا تضيق من شيء خبرته فيك؛ لا قلب ساطي؛ وما تخرج من المواطي، وايدك مشصبة على الدنيا، وما قد كثّرنا بالخير في بيتك، يسدك محرابك، وتكفيك الزكاة اللي تأخذها من الجماعة صيف وخريف، فنكّس برأسه على صدره، وأدرج المسواك فوق سنونه اللي كما سنون المقصب.مات الشيخ، وقال العُقّال؛ والعارفة؛ خذوا بوصيّة الفاني، واكسبوا الداني والعاني، وكلفوا المذّن؛ يعلنها فوق القبر؛ شيخنا (الملغّب) والضايق رصاصة، كاد الملغّب يتعفف، وقال يا جماعة الخير؛ أنا قبس وشغلتي البارود، وراعي مجهود، اسرح قبل الناس وأروح آخرهم، من بير في بير، ومن مقلّع في مقلّع، ردّوا بصوت واحد؛ الشياخة في بيتكم؛ وولدك (لَغَبان) حُرّ من ظهر حُرّ؛ رشّده وانحن وفايته؛ لمح في ولده؛ إلا وهو يومي برأسه؛ فقال؛ طاعكم الله وربنا يعيننا عليكم، ويعينكم عليه.من ثاني يوم عرافة؛ قصد (لغبان) نجّار العُتم، وقال؛ ابغيك تنجر لي مشعاب يهابه اللي يسمع به قبل ما يشوفه؛ واللي يشوفه قبل ما يعلّم في ظهره؛ وابغي رأسه مدملج، واسفله مسلّك؛ وسُنّ القدوم لا تنشف رطوبته، ولا تكسر هيبته، ابغيه؛ دهفة واحدة والقبر؟ فنشده ساخراً منه؛ وش حاجتك للعُتم يا بو عتل؟ فأجابه؛ ما سمعت أن العرافة عادت عند آبي؛ وآبي ما هو فاضي لها؛ أنا اللي باصالي واكالي اللي مثلك وشرواك؛ من سراية الليل؛ قطاعة السيل والسا، كاد يردّ عليه ولكن شاف زنوده اللي تروع وتزوع البعير؛ فبلعها وبجم.كمن لغبان للذيب؛ وقنصه بعد مغرب في وادي الفيض، وجمع دمه في قربة؛ واشتوى كبدته وقلبه؛ وسرى؛ ونقّع مشعاب العُتم في دم الذيب، حتى تشرّب الدم، ويوم الجمعة عقب ما صلت القرية فرضها؛ وقف وقال؛ منين تسمعون يا بني دحلسني وادحلسك؛ تشوفون هذا المشعاب؟ فما نطق ناطق؛ فكمّل؛ آبي عريفتكم، وانا خادم له؛ وبيني وبينكم «طِع شوري» نشده المذّن؛ منهو (طع شوري يا لغبان)؟ أجاب؛ هذا اللي فوق كتفي يا ديكان؛ والله يلي ما يطيع شوري؛ لاخلي بعضه يركب بعض، فخرجوا ما هرجوا وركبهم تتصافق في بعضهاقرروا حفلة؛ ودقوا الزير، وانتظم المعراض، وتوافد الشعار من القرى والشعاب؛ وبدع شاعر المضيفين مُرحّباً (مرحبا عند شيخ يفجر العين من حُلّق صفاها، والشياطين تجفل من نقوره ومن بارودها) قال شاعر الضيوف (يخطي الظالم ويتحمّل خطاياه المظلّمه، مثل نورن ينعرف لا عادت ارض الله مظلّمه) نزل الميدان على أنه يكسيهم؛ وشموا ريحة طع شوري، وقالوا بصوت واحد؛ وقفتك بيننا يا لغبان كسوة! فانبسط ونقل المشعاب على الكتف الشمال، ودسّ في جيب كل واحد ريال عربي.كانت زوجة لغبان؛ بنت العريفة الفاني، مغرورة بحلاة مقدمها ورسمة قفاها؛ وتمردت على لغبان الضعيف أمام نداء الغريزة؛ ثم لاحظت أن نفس لغبان بدت تكبر؛ فصارت كلما قرب منها قالت؛ افوه ريحتك بارود، وإذا طلب منها تقوم لعمل أو تلبي حاجة؛ تردّ عليه؛ (ما طراني) وتضيف؛ أربّك حاوي معك أربع مثل ما معي؛ خلاها لين خرجت بابريقها تسقي الدجاج وانثنت تصب الماء في زبديات، فتحمى من وراها وصمقها بطع شوري؛ فأندر كتفها من معلاقه؛ صاحت وناحت؛ وقام أبو لغبان يترضاها، وامسحيها في وجهي؛ والله لانتصر لك منه قبل ما تغمض عينك واستوفي منه دينك؛ ومن يومها؛ وهي تشوف خياله في الما؛ وكلما نشدها؛ يطريك والا ما يطريك؛ تقوم تسعى مرددة؛ يطريني أنا دفعك يطريني؛ فيشعر بالفخر بأنه خلاها عبرة لمن يعتبر.اشتكى المذّن على الفقيه من لغبان، وقال وهو يتباكى؛ لزّني يا الرفيق بقعر طع شوري قاعة إذني، وبغى يختلعها من جنب صفحي؛ علّق؛ ليته أشكل تستاهل أكثر، ما هوب انت اللي قمت يا ديكان فوق القبر تتفشخر وتنصّب أبو بارود شيخ علينا؟ فقال؛ ما هي من شوري يا فقيهنا؛ الشاعر وصّاني من الصبح؛ وحلف إنها في رأسي؛ ردّ عليه؛ ما تعرف إن شاعر الخِربة ما يشتي مني ومنك لقمة؛ وأضاف؛ شف لغبان يمعى ويفرث بطع شوري اللي رواه بدم الذيب؛ وما حد يجرى يوقف في وجهه؛ قال المذّن؛ ايوه ياخه قتلة الرجال عنده والتفلة سوا. علّق؛ بقعا تفجعك وتفجعه.تسامعت القرية والقُرى المجاورة بطِعْ شوري، فوقف كل واحد على حدّ محاكمه؛ وإذا احتاجوا العريفة في عازة يترقبونه؛ إن ردّ عليهم وهو قاعد؛ جلسوا وسمعوا وطاعوا؛ وإن استقام ومدّ يده على مشعابه؛ فرّوا هاربين وأصواتهم يتردد صداها في المساريب (المغفّل ما يطيع الشور، لين يأخذها محثّله).
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات