مفتي الديار المصرية لـ«عكاظ»: على مؤسسات الإفتاء التعامل مع «الرقمنة» بعقلية منضبطة – أخبار السعودية

في ظل التحولات الفكرية والتكنولوجية المتسارعة، يبرز دور المؤسسات الدينية الرسمية بوصفها صمام أمان لحماية الوعي وصيانة الاستقرار المجتمعي، ويكشف مفتي جمهورية مصر الدكتور نظير عياد، في حوار خاص لـ«عكاظ»، عن رؤية دار الإفتاء المصرية لدور الإفتاء المعاصر باعتباره «صناعة حضارية» تتجاوز حدود البيان التقليدي للحكم الشرعي، لتسهم في ترسيخ الأمن الفكري، ومواجهة التطرف، وبناء خطاب ديني وسطي منضبط يستوعب متغيرات العصر دون تفريط في الثوابت.
• كيف ترون دور الإفتاء في العصر الحديث في ظل التحولات الفكرية والتكنولوجية المتسارعة، خصوصاً في المجتمعات الإسلامية؟
•• دور الإفتاء في العصر الحديث دور مرن ومتجدد، قائم على التوازن بين النص الشرعي الثابت، وفهم الواقع المتغير، والاستفادة من التكنولوجيا في خدمة المعرفة الدينية بما يخدم مصالح الناس، ويحصن المجتمعات من التشوش الفكري والتطرف، فنحن نعيش في زمن السيولة الفكرية ومن ثم لم يعد الإفتاء مجرد إخبار بالحكم الشرعي، بل أضحى «صناعة حضارية» تهدف بالأساس إلى تحقيق الاستقرار المجتمعي وحماية الأمن الفكري ويحفظ مقاصد الشريعة ويبين حكمة الإسلام في الحياة المعاصرة.
القطيعة مع التكنولوجيا
• عقدت الدار مؤتمراً عالمياً عن الفتوى والذكاء الاصطناعي.. كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستفادة من مزايا الانفتاح الرقْمي وبين حماية الأمن الفكري والديني؟
•• انطلق المؤتمر من إدراك عميق بأن التحول الرقمي لم يعد خياراً، بل أصبح واقعاً مؤثراً في تشكيل الوعي الديني والفكري، ما يفرض على مؤسسات الإفتاء أن تتعامل معه بعقلية علمية ومنهجية منضبطة، فالتوازن المطلوب لا يتحقق برفض التكنولوجيا أو القطيعة معها، كما لا يتحقق بالانبهار غير المنضبط بها، وإنما عبر توظيفها توظيفاً رشيداً يخدم مقاصد الشريعة ويحمي الإنسان من الانزلاق الفكري.
• ما المنهج الذي تعتمد عليه دار الإفتاء المصرية في التعامل مع القضايا المستجدة التي لم يرد بشأنها نص صريح؟
•• تعتمد دار الإفتاء المصرية في تعاملها مع القضايا المستجدة على المنهج الأزهري الرصين القائم على أصول الفقه الإسلامي، إذ تبدأ بالتحري الدقيق في النصوص الشرعية والقواعد الكلية، باعتبارها المرجعية الأولى في استنباط الأحكام، وفي المسائل التي لا يرد بشأنها نص صريح، وتلجأ الدار إلى الاجتهاد واتباع منهج التخريج الفقهي برد الوقائع الجديدة إلى أصولها الشرعية المعتبرة من قرآن وسنة وإجماع وقياس، مع الإفادة من الفقه المقارن وتراث المذاهب المعتبرة، بما يحقق الانضباط العلمي ويمنع التسرع أو الفهم المجتزأ للنصوص.
ولا تقف دار الإفتاء عند ظاهر النص أو حرفيته، بل تنظر إلى مقاصد الشريعة الكلية بوصفها الإطار الحاكم للاجتهاد المعاصر، وعلى رأسها حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، بما يضمن تحقيق المصالح ودرء المفاسد في ضوء الضوابط الشرعية، كما تعتمد الدار في منهجها على أن الفتوى ليست معزولة عن الواقع، بل تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وهو مبدأ أصيل يراعي خصوصية المجتمعات وتحولاتها، دون الإخلال بالثوابت القطعية للشريعة الإسلامية.
وفي هذا السياق، تتبنى دار الإفتاء منهج الاجتهاد الجماعي متعدد التخصصات، فتستعين باللجان العلمية وأهل التخصص في المجالات ذات الصلة بالقضية محل البحث، كعلماء الطب والنفس والاجتماع والتكنولوجيا وغيرها، لفهم الأبعاد الواقعية الدقيقة للمسائل المستجدة قبل تنزيل الحكم الشرعي عليها، وتستأنس الدار باجتهادات المجامع الفقهية المعتمدة، مثل هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف والمجامع الفقهية الدولية.
تفكيك القراءات المنعزلة
• تشهد المنطقة تحديات فكرية كبيرة، كيف تقيّمون دور الفتوى في مواجهة الغلو والتطرف؟
•• تضطلع الفتوى بدور محوري في مواجهة الغلو والتطرف الفكري، بوصفها أداة توجيه ديني وعقلي تسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تتغذى عليها تيارات التشدد، فالفتوى الرشيدة، تصدر عن مؤسسات علمية معتبرة، تقوم على فهم صحيح للنصوص الشرعية في سياقاتها الكلية، وتفكيك القراءات المنعزلة أو المجتزأة التي توظف النص الديني لتبرير العنف أو إقصاء الآخر. والفتوى المعتدلة لا تكتفي بإعلان الحكم الشرعي، بل تؤدي وظيفة معرفية وتنويرية تحاصر منطق التكفير والغلو من جذوره الفكرية.
مساحات للحوار والإجابة
• كيف يمكن للمؤسسات الدينية الرسمية أن تكسب ثقة الشباب في ظل انتشار الفتاوى غير المنضبطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟
•• تعزز دار الإفتاء المصرية ثقة الشباب عبر منظومة متكاملة من الحضور المؤسسي والتفاعل المباشر، وفي مقدمتها عقد مجالس الإفتاء في عدد من المساجد، في إطار التعاون والتنسيق المستمر مع وزارة الأوقاف لنشر الوعي الديني وتصحيح المفاهيم، التي تفتح بدورها مساحات للحوار والإجابة عن الأسئلة الفكرية والدينية، بما يؤكد أن الفتوى عملية تواصل وفهم للواقع وليست خطاباً منعزلاً، ويأتي في السياق نفسه التعاون المستمر مع وزارة الشباب والرياضة من خلال برامج ومبادرات مشتركة تستهدف الشباب في مراكزهم ومنصاتهم، وعقد محاضرات ولقاءات دورية مع الشباب في الجامعات، تتناول قضاياهم العصرية وتحدياتهم الفكرية والاجتماعية، وتفتح باب النقاش الحر حول الأسئلة الشائكة المرتبطة بالهوية، والدين، والعلم، والتحولات الرقمية.
• ما رؤيتكم لتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية في مصر والمملكة، لخدمة قضايا العالم الإسلامي؟
•• تنطلق رؤية تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية في مصر والمملكة من الدور المحوري للأزهر الشريف بوصفه المظلة الجامعة للمؤسسات الدينية في مصر، وحاضن المنهج الوسطي الذي شكل مرجعية علمية راسخة للعالم الإسلامي عبر قرون، وركيزة أساسية لتنسيق الجهود مع المؤسسات الدينية في المملكة وفي مقدمتها هيئة كبار العلماء، ورئاسة الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين، من أجل توحيد الرؤية في القضايا الكبرى، وتبادل الخبرات العلمية، وتعزيز منهج الاجتهاد الرشيد في مواجهة الغلو والتطرف وفوضى الفتاوى.
التجديد الفقهي
• إلى أي مدى ترون أن التجديد الفقهي ضرورة شرعية، وما الضوابط التي يجب الالتزام بها حتى لا يتحول إلى تفريط؟
•• التجديد الفقهي ضرورة شرعية وواقع لا غنى عنه، فرضته التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المعاصر، وما أفرزته من قضايا ونوازل لم تكن مطروحة من قبل، وهو ما يتسق مع توجه الدولة المصرية في دعم تجديد الخطاب الديني على أسس علمية راسخة تحافظ على استقرار المجتمع وتصون وعيه. والتجديد لا يعني الخروج على الثوابت أو تجاوز النصوص القطعية، بل هو إحياء لروح الفقه وقدرته على الاستجابة للواقع، من خلال تفعيل أدوات الاجتهاد المعتبرة.
• كيف توازن دار الإفتاء بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع المعاصر عند إصدار الفتوى؟
•• التوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع المعاصر يمثل جوهر عملنا الإفتائي، إذ لا تنفصل الفتوى عن الواقع بل تتحرك معه، مع الالتزام بالنصوص القطعية ومقاصد الشريعة، بما يحقق مصالح المجتمع ويحميه من الغلو أو التفريط. ودار الإفتاء المصرية تعتمد على آليات مؤسسية واضحة تشمل تدريب المفتين على فهم مستجدات العصر، وتطبيق سيرورة الفتوى العلمية المعلنة التي تبدأ بتحليل المسألة وتكييفها شرعياً وصولاً إلى الحكم الشرعي وتنزيله على الواقع، مع تعزيز البحث العلمي في قضايا العصر من خلال إصداراتنا المحكّمة.
المرأة والعمل الإفتائي
• ما تقييمكم لدور المرأة في العمل الدعوي والإفتائي، وهل ترون توسعاً في هذا الدور خلال المرحلة القادمة؟
•• تولي دار الإفتاء المصرية أهمية كبرى لدور المرأة في العمل الدعوي والإفتائي، بما يعكس التزامها بالمنهج الشرعي الوسطي الذي يقر بحق المرأة في المشاركة الفاعلة في الحياة الدينية والعلمية، وتم اعتماد المرأة أمينة فتوى ومنحها أدواراً مهمة داخل الدار، ما يؤكد بأن الإسلام اهتمّ بالمرأة وسمح لها بتولي المناصب القيادية وفق الضوابط الشرعية، وتحرص الدار على إشراك المرأة في اللجان العلمية والبرامج الدعوية، وفي صياغة الفتاوى التي تتعلق بقضايا الأسرة والمجتمع، بما يضمن شمولية الرؤية وعمق الفهم.
• في ظل النزاعات والصراعات التي يشهدها العالم، ما الرسالة التي توجهونها للمسلمين حول قيم التعايش والسلام؟
•• قيم التعايش والسلام ليست مجرد شعارات، بل جوهر الدين الإسلامي ومقاصده العليا، فالدار -استناداً إلى القرآن والسنة ومقاصد الشريعة- تشدد على أن حماية النفس، واحترام الآخرين، وتعزيز السلم الاجتماعي، هي واجبات دينية وأخلاقية على كل فرد ومجتمع، كما نؤكد أن العنف والتطرف ليسا من تعاليم الإسلام.
احتياجات المجتمع المعاصر
• ما أبرز القضايا التي تشغل اهتمام دار الإفتاء المصرية حالياً، وما أولوياتكم خلال الفترة القادمة؟
•• نركز حالياً على مجموعة من القضايا الجوهرية التي تعكس التفاعل مع احتياجات المجتمع المعاصر، وفي طليعتها قضايا الوعي الديني والأسري والاجتماعي، وتصدرت موضوعات مثل حماية الأسرة، والعلاقات الزوجية، جانباً كبيراً من الفتاوى الصادرة للجمهور، كما ظلت مكافحة التطرف الفكري وتعزيز الاستقرار الفكري من أولويات الدار في إصدار الفتاوى، وبناء القدرات الإفتائية ومواجهة تحديات العصر الرقمي.
• كيف يمكن للمسلم أن يحقق أقصى استفادة روحية وعبادية من شهر رمضان في ظل التحديات المعاصرة التي تواجه الأمة الإسلامية؟
•• بالوعي الكامل بمقاصد الصيام وأهدافه العليا، التي تتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب لتشمل تهذيب النفس، وضبط الانفعالات، وتعزيز روح الإحسان والتكافل الاجتماعي.
ممارسات رمضانية جديدة
• يُلاحَظ انتشار بعض الممارسات الرمضانية الجديدة مثل «تحديات الخير» أو جمع التبرعات الإلكترونية.. ما رأيكم في هذه الظاهرة، وهل هي من الابتكار المقبول أم يجب الحذر منها؟
•• بالطبع هي ممارسات محمودة إذا تم الالتزام فيها بضوابط الشرع، وما تقرره الجهات المسؤولة عن جمع التبرعات في كل دولة، بحيث تظل بحق وسيلة لتعزيز الخير والتكافل الاجتماعي وتصل إلى من يستحقون، ومن دون أن تتحول إلى استعراض أو تنافس يؤدي إلى الرياء أو الانشغال بالشكليات عن الجوهر الروحي للشهر الكريم.
• في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها كثير من الدول العربية، ما التوجيه الشرعي لمن يجد صعوبة في إخراج زكاة الفطر أو صدقة الفطر؟
•• الذي عليه الفتوى في مصر في هذا العصر هو إجزاء إخراج زكاة الفطر نقداً وفقاً لمذهب الحنفية، ويجوز أيضاً إخراجها طعاماً خصوصاً في المجتمعات التي يصعب فيها الحصول على الغذاء، وهذا من الخلاف السائغ بين الفقهاء.
• كلمة أخيرة توجهونها للشعب السعودي الكريم وللمسلمين عموماً في هذا الشهر الفضيل.
•• أتوجه برسالة ملؤها المحبة والتقدير إلى المملكة، قيادةً وشعباً وحكومة، تلك الأرض التي اختصها الله بأن تكون مهبط الوحي، ومنبع الرسالة، وموطن خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأقول لهم أنتم جيران الحرمين وحماتهما، ولطالما كنتم مثالاً يحتذى به في الكرم وخدمة ضيوف الرحمن.
وأبعث برسالة تهنئة إلى خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين بمناسبة شهر رمضان المعظم أعاده الله عليهما بالخير واليمن والبركات، وأدام على المملكة وعموم بلاد المسلمين الأمن والأمان والرخاء.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات