التخطي إلى المحتوى

العلم والدين وحدود المعرفة – أخبار السعودية

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

تقوم العلاقة بين العلم والدين على تمايز عميق في المنهج والغاية، لا على صراع كما يتخيل البعض، فالعلم يُبنى على الملاحظة الدقيقة، والتجربة القابلة للتكرار، وصياغة النماذج التي يمكن اختبارها ونقضها، إنه يسعى إلى فهم القوانين التي تحكم العالم المادي، وإلى تقديم تفسير يمكن الاعتماد عليه في التنبؤ والتحكم.

أما الدين فيعتمد على الوحي والإيمان، ويتجه إلى الأسئلة الوجودية الكبرى التي تتجاوز حدود المختبر وأدوات القياس، لذلك؛ فإن تحويل النصوص الدينية إلى بدائل عن العلوم الطبيعية يؤدّي إلى تعطيل وظيفة العلم وإرباك وقيمة الدين معاً، لأن الكتب المقدسة لم تُنزَّل لتكون مراجع في الفيزياء أو البيولوجيا، أو لتحليل السلوك البشري الفردي والجماعي وفق مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل لتوجيه الإنسان نحو الغاية والأخلاق والمعنى.

وفي المقابل؛ فإن محاولة إخضاع الإيمان لنتائج العلم محاولة تُفرغ التجربة الدينية من طبيعتها، فالإيمان الذي يتغير بتغيّر النظريات يصبح معلقاً على ما يثبته العلم أو ينفيه، بينما جوهر الدين يقوم على البعد الروحي الذي لا تدركه الأدوات التجريبية.

هنا يظهر الفرق الجوهري بين سؤالَي العلم والدين:

ـ العلم يسأل كيف تعمل الظاهرة؟، ويبحث عن القوانين والآليات التجريبية.

ـ الدين يسأل لماذا وجد الإنسان؟ وما الغاية من الحياة؟ وما قيمتها؟ ويبحث عن المعنى والرسالة ومعرفة الله؛ وهي أسئلة تتجاوز قدرة المعادلات والمنهج التجريبي على الإجابة عنها.

ويأتي الفكر التأملي والعقلاني ليشكل الجسر الذي يوضح حدود كل مجال، ويفصل بين ما يختص به العلم وما يختص به الدين، فهو القدرة العقلية على التفريق بين طبيعة الأسئلة، وإدراك أن اختلاف الأدوات لا يعني التناقض. ومن خلاله يفهم العالم أن نظرياته ليست أحكاماً نهائية على الوجود، ويفهم المتدين أن إيمانه ليس بديلاً عن البحث العلمي، بل إطار يوجه السلوك والرؤية.

هكذا تتجلى أهمية التوازن بين المجالات الثلاثة؛ العلم يقدم معرفة دقيقة بالعالم، والدين يمنح بوصلة للمعنى والقيم، والفكر العقلاني فيدرك ضرورة عدم الخلط بينها، ويمنح الإنسان رؤية أشمل وأكثر انسجامًا للوجود.

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *