
لم تعد منطقة خليج السويس مجرد ممر ملاحي عالمي أو حقول لإنتاج النفط، بل باتت اليوم المسرح الأهم لثورة الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط. ومع مطلع عام 2026، بدأت ملامح “خريطة الرياح الجديدة” في مصر تتشكل بوضوح، حيث انتقلت الدولة من مرحلة التخطيط والاتفاقيات الإطارية إلى مرحلة التنفيذ الصناعي الضخم، بقيادة تحالفات دولية تعيد صياغة مفهوم الاستثمار في الطاقة النظيفة.
تتمركز هذه النهضة في نقطتين رئيسيتين رأس غارب، التي كانت بمثابة حجر الأساس، ورأس شقير، التي صعدت لتمثل الجيل التالي من المزارع العملاقة، بفضل استقرار سرعات الرياح وقربها الاستراتيجي من شبكات الربط القومية.
أولاً: العمالقة الستة قدرات إنتاجية تتجاوز 4 جيجاوات
تتوزع خريطة المشروعات الجديدة على 6 تحالفات كبرى، بإجمالي قدرات تصل إلى 4100 ميجاوات، وهي طاقة كفيلة بإحداث نقلة نوعية في مزيج الطاقة المصري
مشروع “Suez Wind Energy” (أكوا باور وحسن علام): يتربع على القمة بقدرة 1100 ميجاوات في رأس غارب. المشروع تجاوز مرحلة التمويل ليدخل في التركيب الفعلي للتوربينات، مع استهداف تشغيل كامل في الربع الثاني من 2027.
مزرعة “شدوان” (سكاتك النرويجية) مشروع ضخم بقدرة 900 ميجاوات في رأس شقير، مدعوم باتفاقية شراء طاقة طويلة الأمد لمدة 25 عاماً.
تحالف أوراسكوم وإنجي وتويوتا: يدخل السباق بقوة عبر مشروع بقدرة 900 ميجاوات قرب رأس شقير، مع خطة لبدء تشغيل المرحلة الأولى (300 ميجاوات) في ديسمبر 2027.
مشروع “أمونت 2” (إيميا باور): امتداد لنجاحات الشركة في مصر بقدرة 500 ميجاوات، مع ميزة تنافسية تتمثل في ربط المشروع ببطاريات تخزين الطاقة لضمان استقرار الشبكة.
مشروع “NIAT” (الكازار وسيمنس جاميسا): بقدرة 500 ميجاوات، ويعتمد على تكنولوجيا توربينات سيمنس المتطورة، ومن المتوقع بدء التنفيذ الميداني في منتصف 2026.
مشروع مصدر–إنفنتي: برغم سعتها الأقل نسبياً (200 ميجاوات)، إلا أنها تعد الأسرع تنفيذاً، حيث بدأت أعمال الإنشاء بالفعل لدعم برنامج “نوفي” الوطني.
ثانياً: التكنولوجيا الصينية والأوروبية في خدمة الشبكة المصرية
تعتمد هذه الموجة على أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا التوربينات عالمياً. فمشروع “أكوا باور” وحده يضم 138 توربينة من طراز “إنفيجن” الصيني، بقدرة تصل لـ 8 ميجاوات للوحدة الواحدة، مما يسمح بإنتاج 4.3 تيراوات/ساعة سنوياً، وهو ما يكفي لإمداد أكثر من مليون منزل بالكهرباء النظيفة، مع خفض هائل في الانبعاثات الكربونية.
ثالثاً: لماذا يهرع المستثمرون الدوليون إلى خليج السويس؟
يعكس تركز هذه الاستثمارات حقيقة أن مصر لم تعد مجرد سوق لاستقبال المشروعات المنفردة، بل أصبحت بيئة لبناء “محافظ استثمارية” متكاملة، وتتعدد أسباب هذا الإقبال
الجودة المناخية
استقرار سرعات الرياح في ممر خليج السويس يجعله من بين الأفضل عالمياً.
الثقة الائتمانية
نجاح الإغلاقات المالية وجذب تمويلات من مؤسسات دولية مثل “البنك الأوروبي لإعادة الإعمار” و”الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)” يعكس استقرار مناخ الاستثمار.
الخبرات المتراكمة
تحالفات مثل “أوراسكوم وإنجي” لم تعد تبدأ من الصفر، بل تبني على نجاحات سابقة في نفس المنطقة، مما يقلل مخاطر التنفيذ.
رابعاً: العوائد الاقتصادية والاستراتيجية للدولة المصرية
تمثل هذه المشروعات “طوق نجاة” للاقتصاد المصري ومرفق الكهرباء من عدة جوانب
وفر الغاز الطبيعي
كل ميجاوات ينتج من الرياح يوفر كميات ضخمة من الغاز الطبيعي التي يمكن توجيهها للتصدير وجلب العملة الصعبة.
استدامة الصيف
ستلعب هذه القدرات دوراً حاسماً في تقليل الأحمال خلال فترات الذروة الصيفية التي شهدت ضغوطاً في السنوات الماضية.
قاعدة للهيدروجين الأخضر
تركز مزارع الرياح في خليج السويس يمهد الطريق لتحويل المنطقة إلى مركز عالمي لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره عبر قناة السويس.
تحقيق الأهداف القومية
تضع هذه المشروعات مصر على الطريق الصحيح للوصول إلى هدفها الطموح بتوليد 42% من احتياجاتها من مصادر متجددة بحلول عام 2030.
ويرى المحللون أن سباق الرياح في مصر عام 2026 تجاوز مرحلة الوعود؛ فنحن أمام 4.1 جيجاوات تحت الإنشاء والتطوير، وهو ما يمثل زيادة قدرها 40% عما كان متاحاً بنهاية 2025.
كما أن هذه “الخريطة الجديدة” تؤكد أن مصر تتحول بسرعة إلى قطب إقليمي للطاقة، حيث تجتمع التكنولوجيا الصينية، والتمويلات الأوروبية، والاستثمارات الخليجية على أرض ساحل البحر الأحمر لرسم مستقبل أخضر ومستدام.
