التخطي إلى المحتوى

في لحظة تتشابك فيها السياسة بالطاقة، اختار تحالف أوبك أن يبعث برسالة مزدوجة إلى الأسواق بزيادة محدودة في الإنتاج، لكن مع إبقاء اليد على زر التراجع، فالتحالف وافق على رفع الإمدادات بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا بدءًا من أبريل، في وقت تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

القرار لم يكن مجرد تعديل فني في الأرقام، بل محاولة لإدارة توازن دقيق بين تهدئة المخاوف من نقص الإمدادات، ومنع الأسعار من الانفلات، دون الإضرار بتماسك السوق في حال اتسع نطاق الصراع.

زيادة محسوبة في سوق مشحونة

الاجتماع الافتراضي الذي ضم السعودية وروسيا والعراق والإمارات والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عُمان، جاء في ظل اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الممر الذي يعبر من خلاله نحو خُمس تجارة النفط العالمية.

وتكتسب إيران أهمية مضاعفة في هذا السياق؛ فهي رابع أكبر منتج داخل منظمة أوبك بنحو 3.3 مليون برميل يوميًا، لكن ثقلها الحقيقي يتجاوز حجم إنتاجها بسبب موقعها الجغرافي المشرف على المضيق الحيوي.

استهداف ناقلة نفط قرب ميناء خصب العُماني زاد من منسوب القلق، وأعاد للأذهان سيناريوهات تعطّل الإمدادات التي غالبًا ما تدفع الأسعار إلى قفزات حادة.

من فائض المعروض إلى علاوة الحرب

قبل اندلاع المواجهة، كانت الأسواق تتحرك تحت ضغط مخاوف فائض المعروض، بعدما أنهى خام برنت عام 2025 منخفضًا بنحو 18%. لكن الصورة تغيرت سريعًا هذا العام، إذ ارتفعت الأسعار بنحو 19% بدعم من التوترات الجيوسياسية.

التاريخ يشير إلى حساسية السوق الشديدة تجاه أي نقص فعلي في الإمدادات، ووفق تقديرات اقتصادية، فإن كل تراجع بنسبة 1% في المعروض قد يدفع الأسعار للصعود بنحو 4%. وفي سيناريو متشدد، قد يتجاوز النفط حاجز 100 دولار للبرميل إذا اتسع نطاق الصراع.

مرونة مشروطة.. والتحالف يحتفظ بخياراته

الزيادة المعلنة تمثل جزءًا من خطة أوسع لإعادة 1.65 مليون برميل يوميًا من التخفيضات الطوعية التي أُقرت في أبريل 2023، مع تأكيد إمكانية الإبطاء أو التراجع حسب تطورات السوق. كما أبقى التحالف على التخفيضات الإضافية البالغة 2.2 مليون برميل يوميًا التي أُعلنت في نوفمبر 2023، ما يعكس نهجًا حذرًا يمنح المنتجين قدرة على المناورة.

الاجتماع المقبل حُدد في 5 أبريل 2026، في إشارة إلى أن القرارات ستظل مرتبطة بلحظة السوق لا بجداول زمنية جامدة

بين الرسائل السياسية وحسابات البرميل

قرار «أوبك+» يمكن قراءته كخطوة استباقية لاحتواء أي صدمة محتملة، ورسالة إلى المستهلكين بأن الإمدادات تحت السيطرة. لكنه في الوقت نفسه اعتراف ضمني بأن المنطقة تقف على حافة تصعيد قد يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية.

وفي سوق النفط، لا تتحرك الأسعار فقط وفق معادلات العرض والطلب، بل وفق منسوب المخاطر، ومع بقاء التوتر في الخليج مفتوحًا على احتمالات عدة، سيظل كل برميل إضافي يُضخ في السوق بمثابة صمام أمان مؤقت في عالم يتغير بسرعة.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *