
يحذر باحثون ومشغلو مراكز بيانات كبرى من تهديد جديد قد يضرب جوهر الثقة في الأنظمة الرقمية لأجهزة الكمبيوتر، يُعرف باسم «الفساد الصامت للبيانات» (Silent Data Corruption – SDC)، وهي ظاهرة تنتج مخرجات خاطئة دون أي إشارات تحذير أو أعطال واضحة.
مراكز بيانات كبرى
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تتسبب في توقف الأنظمة أو ظهور رسائل خطأ، بل تمر النتائج غير الدقيقة بصمت داخل البرامج والأنظمة، ما يجعل اكتشافها بالغ الصعوبة ويزيد من احتمالات تأثيرها على العمليات الرقمية الحساسة.
خلل غير مرئي داخل المعالجات
تشير تقارير تقنية إلى أن جذور المشكلة تعود إلى عيوب دقيقة داخل شرائح السيليكون المستخدمة في المعالجات المركزية ومعالجات الرسوميات ومسرّعات الذكاء الاصطناعي.
وقد تنشأ هذه العيوب خلال مراحل التصميم أو التصنيع، أو تظهر لاحقًا نتيجة التقادم أو عوامل بيئية مختلفة.
ورغم خضوع الرقائق لاختبارات مكثفة قبل طرحها في الأسواق، فإن التقديرات تشير إلى أن ما بين 95% و99% فقط من العيوب المحتملة يتم اكتشافها، ما يعني أن نسبة ضئيلة من الشرائح المعيبة قد تصل إلى المستخدمين ومراكز البيانات.
وفي بعض الحالات، يؤدي الخلل إلى أعطال واضحة، لكن الأخطر هو النوع الصامت الذي ينتج قيمًا حسابية خاطئة تنتشر داخل الأنظمة دون رصد.
شركات التكنولوجيا الكبرى تدق ناقوس الخطر
كشفت شركات تشغيل مراكز البيانات العملاقة، مثل ميتا وجوجل وعلي بابا، أن نحو معالج واحد من كل ألف قد ينتج فسادًا صامتًا في ظروف معينة/ ومع تشغيل ملايين الأنوية الحاسوبية يوميًا، قد يعني ذلك ظهور مئات النتائج غير الدقيقة دون أي إنذار مباشر.
ويمثل هذا الأمر تهديدًا حقيقيًا لأن دقة النتائج الحسابية تعد أساس الثقة في الأنظمة الرقمية، سواء في المعاملات المالية أو أنظمة الذكاء الاصطناعي أو إدارة البنية التحتية الحيوية، وعلى عكس الأعطال التقليدية التي يمكن رصدها سريعًا، يعمل الفساد الصامت في الخفاء، ما يزيد من تعقيد التعامل معه.
تعقيد أكبر ومخاطر متصاعدة
يرى خبراء أن التوجه نحو المعالجات المتوازية الضخمة ومسرّعات الذكاء الاصطناعي يزيد من احتمال ظهور هذه الأخطاء، إذ يؤدي ارتفاع عدد الوحدات الحسابية داخل الشريحة إلى زيادة فرص وجود وحدة معيبة، كما أن قياس معدل هذه الأخطاء بدقة يظل شبه مستحيل، لأنها لا تترك آثارًا واضحة.
وتوجد بالفعل تقنيات للكشف والتصحيح، لكنها غالبًا ما تتطلب زيادة مساحة الشرائح واستهلاك طاقة أكبر، وقد تؤثر سلبًا على الأداء، لذلك يدعو الباحثون إلى اعتماد حلول متعددة المستويات تشمل تحسين اختبارات التصنيع، ومراقبة الأداء داخل مراكز البيانات، وتطوير تصميمات مشتركة بين العتاد والبرمجيات لاحتواء الأخطاء قبل انتشارها.
معركة الثقة في عصر الحوسبة
ومع دخول العالم عصرًا جديدًا من التعقيد الرقمي والاعتماد المتزايد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي مقتصرًا على تحقيق سرعات أعلى أو قدرات أكبر، بل أصبح ضمان دقة النتائج وموثوقيتها هو الرهان الأهم للحفاظ على الثقة في الأنظمة الرقمية الحديثة.

التعليقات