التخطي إلى المحتوى

لتوطين صناعة الدواء شهدت العاصمة الزامبية لوساكا تدشين خط إنتاج مشترك لتغليف الدواء، في شراكة استراتيجية تجمع بين شركة «وادي النيل بنتا» المصرية وشركة «بندلوم ستيتس ليميتد» الزامبية، ولا يقتصر هذا التعاون على كونه مشروعًا صناعيًا تقليديًا، بل يمثل خطوة عملية نحو بناء سلاسل إنتاج دوائية إفريقية قادرة على تلبية احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية، وفتح الطريق أمام مراحل لاحقة من التصنيع المتكامل.

ثمار زيارة رئاسية ورؤية سياسية واضحة

يأتي هذا المشروع امتدادًا مباشرًا لنتائج الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى زامبيا عام 2023، والتي شكّلت محطة فارقة في العلاقات بين البلدين. وخلال الزيارة، أكدت القيادة السياسية المصرية أهمية نقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية، وتوطين الصناعات الحيوية داخل القارة الإفريقية، وفي مقدمتها صناعة الدواء، باعتبارها ركيزة أساسية للأمن الصحي وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.

نحو أمن دوائي إفريقي مستدام

يمثل خط الإنتاج الجديد نقطة انطلاق لتعزيز منظومة الأمن الدوائي في زامبيا، حيث لا يقتصر دوره على عمليات التغليف فقط، بل يسهم في تحسين معايير الجودة والسلامة، ورفع كفاءة الكوادر المحلية، وترسيخ ثقة المستهلك الإفريقي في المنتج الدوائي المحلي. ويتوقع خبراء أن يساهم المشروع تدريجيًا في سد الفجوات الدوائية بأسعار مستقرة ومستدامة، مع خطط مستقبلية للتوسع في التصدير إلى دول الجوار الإفريقي.

الخبرة المصرية… ركيزة النجاح

تعتمد هذه الشراكة على رصيد مصري قوي في قطاع الصناعات الدوائية، إذ نجحت مصر في تحقيق نسب اكتفاء ذاتي تتجاوز 90% من احتياجاتها الدوائية، إلى جانب امتلاكها طاقة تصديرية تمتد إلى أكثر من 150 دولة حول العالم. ويمنح هذا العمق الصناعي مصر قدرة حقيقية على نقل نموذجها الناجح إلى الدول الإفريقية، بما يعزز من فرص توطين الصناعة وتحقيق قيمة مضافة محلية.

اعتماد دولي يدعم الطموح الإقليمي

عزز حصول هيئة الدواء المصرية على اعتماد منظمة الصحة العالمية عند «المستوى الثالث» من مكانة مصر كمركز إقليمي واعد للصناعات الدوائية. ويمثل هذا الاعتماد شهادة دولية على كفاءة المنظومة الرقابية المصرية، ما يفتح المجال أمام توسيع التعاون مع الدول الإفريقية ونقل المعايير العالمية للجودة والسلامة الدوائية إلى أسواق القارة.

التكامل الإفريقي يتجاوز قطاع الصحة

لا يقتصر الدور المصري في إفريقيا على قطاع الدواء، بل يمتد ليشمل مجالات استراتيجية أخرى، أبرزها الأمن الغذائي والتنمية الزراعية. فقد أسهمت المزارع النموذجية المصرية في أوغندا وزامبيا، مثل «مومبيشي» و«كابوي»، في دعم إنتاج محاصيل استراتيجية كالقمح والذرة وفول الصويا، بما يعزز القدرة الإنتاجية للدول المضيفة ويحد من فجوات الغذاء.

الاستثمار في الإنسان… جوهر الشراكة

إلى جانب المشروعات الصناعية والزراعية، يبرز البعد الإنساني في التعاون المصري الإفريقي من خلال مبادرات صحية وتنموية، من بينها المركز الطبي المصري في جامبيا، الذي يقدم خدماته لدول غرب إفريقيا. وتعكس هذه المبادرات رؤية مصر القائمة على الاستثمار في الإنسان باعتباره المحرك الأساسي للتنمية المستدامة.

نموذج جديد للعلاقات المصرية الإفريقية

تعكس هذه المشروعات المتكاملة تحوّلًا في طبيعة العلاقات المصرية الإفريقية، من شراكات تقليدية إلى نموذج تنموي شامل يقوم على نقل المعرفة، وبناء القدرات، وتعزيز الاعتماد على الذات داخل القارة. وهو نموذج يسعى إلى تحقيق مصالح مشتركة طويلة الأمد، ويؤكد دور مصر كشريك تنموي فاعل في إفريقيا.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *