هل يُمكن تسعير الطبيعة؟
ليس من السهل اختزال الحروب أو الطبيعة أو السلوك البشري في معادلات وأرقام. ومع ذلك، يصرّ الاقتصاديون منذ عقود على أن العالم — مهما بدا فوضوياً — يمكن فهمه عبر منطق العرض والطلب والحوافز والتكاليف.
أصبح هذا المنهج الذي يمنح الظواهر المعقدة مظهراً من النظام والوضوح لغة شائعة في تفسير السياسات العامة والاقتصاد والمجتمع. لكن السؤال الذي يطرحه عدد من الكتب الجديدة هو: هل يمكن حقاً تفسير كل شيء بالاقتصاد؟ أم أن هذا المنظور قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي؟

ثلاثة كتب حديثة تحاول الإجابة عن هذا السؤال من زوايا مختلفة، إذ تطبق عدسة الاقتصاد على موضوعات شديدة التعقيد، بدءاً من السلوك الفردي وصنع السياسات العامة، مروراً بالحروب عبر التاريخ، وصولاً إلى الطبيعة والبيئة. والنتيجة، كما تكشف هذه الأعمال، ليست حاسمة دائماً؛ فبينما ينجح الاقتصاد أحياناً في تقديم تفسيرات مقنعة، فإنه يفشل في أحيان أخرى في احتواء تعقيد العالم الحقيقي.
الاقتصاد لغة تفسيرية
يمنح استخدام مفاهيم الاقتصاد قدرة مغرية على تفسير ظواهر معقدة بطريقة تبدو منظمة ومنطقية.
فعندما يُطرح سؤال مثل: هل ينبغي أن تكون حافلات المدن مجانية؟ يمكن الرد اقتصادياً بالإشارة إلى «الآثار الخارجية الإيجابية» التي تعود على المجتمع ككل.
وعندما يناقش المخططون توسعة الطرق السريعة لتحسين حركة المرور، يظهر مفهوم «الطلب المستحث» ليشير إلى أن زيادة الطرق قد تشجع المزيد من الناس على القيادة، ما يعيد الازدحام مجدداً.
هذا الأسلوب في التفكير يجعل الظواهر المتشابكة تبدو وكأنها تخضع لقوانين واضحة، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق وهماً بأن الاقتصاد قادر على تفسير كل شيء.
ومن هنا تأتي أهمية الكتب الجديدة التي تحاول اختبار حدود هذا النهج.
نقد نظرية “الدفعة الخفيفة“
في كتاب ” «الأمر يتوقف عليك: كيف أقنعت الشركات وعلماء الاقتصاد السلوكي الناس بأنهم المسؤولون عن أعمق مشكلات المجتمع”، يقدم جورج لوينشتاين ونيك تشاتر نقداً حاداً لما يُعرف بـ«نظرية الدفعة الخفيفة» في الاقتصاد السلوكي.
ظهرت هذه النظرية بقوة عام 2008 مع كتاب يحمل الاسم نفسه للباحثين كاس سنستين وريتشارد ثالر، الذي فاز لاحقاً بجائزة نوبل في الاقتصاد.
تقوم الفكرة الأساسية على أن الحكومات يمكنها توجيه سلوك الأفراد نحو قرارات أفضل عبر «دفعات» صغيرة غير ملزمة، بدلاً من فرض قوانين صارمة.
على سبيل المثال، إذا صُممت فاتورة الكهرباء بطريقة تُظهر للمستهلك أن جيرانه يستخدمون طاقة أقل، فقد يدفعه ذلك إلى تقليل استهلاكه.
وقد انتشرت هذه الفكرة بسرعة لأنها بدت حلاً وسطاً بين التنظيم الحكومي الصارم والحرية الفردية.
بيد أن لوينشتاين وتشاتر يريان أن هذه السياسات لا تحقق النتائج التي يُروج لها.
ويستشهدان بتجربتين شهيرتين: تسجيل الموظفين تلقائياً في خطط التقاعد، واعتماد نظام «الانسحاب الاختياري» للتبرع بالأعضاء.
ورغم أن هذه الإجراءات أظهرت نتائج إيجابية في البداية، فإن دراسات لاحقة أظهرت أن تأثيرها طويل الأمد محدود.

“حلول صغيرة مؤقتة”
يرى المؤلفان أن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف فعالية «الدفعات»، بل في أثرها السياسي والاجتماعي.
فهذه السياسات — بحسب رأيهما — قد تشتت الانتباه عن الإصلاحات الهيكلية الضرورية.
ويكتب المؤلفان أن وجود «حلول صغيرة مؤقتة» قد يقلل من الدعم الشعبي للتغييرات الكبيرة التي يمكن أن تعالج المشكلة من جذورها.
كما يذهبان أبعد من ذلك، معتبرين أن بعض الشركات استغلت هذا النهج لتوجيه اللوم نحو الأفراد بدلاً من معالجة الأسباب البنيوية للمشكلات.
فبدلاً من الحديث عن مسؤولية الصناعات الملوثة، يُطلب من الأفراد ببساطة تغيير سلوكهم.
وهكذا تتحول القضايا الاجتماعية المعقدة إلى مسألة خيارات شخصية.
الحرب بعيون اقتصادية
أما الكتاب الثاني، «الدم والثروة: اقتصاديات الصراع من عصر الفايكنغ إلى العصر الحديث» للصحفي والاقتصادي البريطاني دانيل ويلدون، فيحاول تفسير الحروب عبر مفاهيم الاقتصاد.
يأخذ الكتاب القارئ في رحلة تاريخية تبدأ من غارات الفايكنغ مروراً بالإمبراطورية المغولية وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا، محاولاً تفسير سلوك الجيوش والقادة عبر مفاهيم مثل «مشكلة الوكيل والموكل» أو المنافسة غير السعرية.
يحاول ويلدون تقديم رؤى تبدو غير تقليدية، على غرار الأسلوب الذي اشتهر به كتاب «فريكونوميكس».
ففي أحد الفصول يناقش نظام تكريم الطيارين المقاتلين في سلاح الجو الألماني خلال الحرب العالمية الثانية.
كان الطيارون الذين يحققون انتصارات كثيرة يحصلون على شهرة وتكريم علني، لكن هذا النظام — وفق تحليل المؤلف — أدى إلى نتائج عكسية.
فالطيارون الموهوبون حاولوا رفع أدائهم للحاق بزملائهم المكرمين، بينما حاول الأقل مهارة تقليدهم عبر المخاطرة أكثر، ما أدى إلى خسائر أكبر في صفوفهم.
مع ذلك، لا تنجح جميع تحليلات الكتاب في تقديم رؤى جديدة.
ففكرة أن الحروب مرتبطة بالمصالح الاقتصادية ليست اكتشافاً حديثاً، بل حقيقة معروفة منذ قرون.
ولذلك يرى بعض النقاد أن محاولة تقديمها كفكرة مفاجئة قد تبدو مبالغاً فيها.
الاقتصاد والطبيعة
أما الكتاب الثالث، «عن رأس المال الطبيعي: قيمة العالم من حولنا» للاقتصادي البريطاني بارثا داسغوبتا، فيتناول واحدة من أعقد القضايا المعاصرة: القيمة الاقتصادية للطبيعة.
داسغوبتا أستاذ فخري في جامعة كامبريدج، وقد نال تكريماً ملكياً في بريطانيا تقديراً لإسهاماته في الاقتصاد البيئي.
ويُعرف أيضاً بدوره في تقرير «اقتصاديات التنوع البيولوجي» الذي أعده للحكومة البريطانية عام 2021.
الفكرة الأساسية في كتابه بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في نتائجها: الاقتصاد العالمي يقيس النمو بطريقة خاطئة لأنه يعتمد على الناتج المحلي الإجمالي، الذي لا يأخذ في الحسبان تدمير البيئة أو استنزاف الموارد الطبيعية.

حين تُزال غابة لإقامة مشروع اقتصادي، قد يظهر ذلك كزيادة في الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن المجتمع فقد ثروة طبيعية قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل.
ويقترح داسغوبتا إعادة صياغة طريقة قياس التقدم الاقتصادي بحيث تصبح الطبيعة جزءاً أساسياً من الحسابات.
فبدلاً من اعتبار الأضرار البيئية «أثراً جانبياً» للنشاط الاقتصادي، ينبغي إدراجها في صلب عملية القياس.
ويضرب مثالاً بمزارع الروبيان في بعض الدول النامية، التي تحقق أرباحاً اقتصادية لكنها تدمر غابات المانغروف الساحلية.
فلو جرى حساب القيمة الاقتصادية لهذه الغابات — مثل تخزين الكربون وحماية السواحل ودعم مصائد الأسماك — قد يتبين أن خسارتها تفوق المكاسب التي تحققها المزارع.
لغة الاقتصاد وحدودها
ورغم أهمية أفكار داسغوبتا، فإن كتابه يتميز بأسلوب أكاديمي كثيف قد يجعل قراءته صعبة على غير المتخصصين.
فهو يستخدم مصطلحات تقنية لوصف مفاهيم تبدو بسيطة، مثل تعريف السعادة بأنها “مدى تحقق رغبات الفرد المدركة”.
هذا الأسلوب مقصود، إذ يوضح المؤلف في مقدمة كتابه أنه يكتب لقارئ مستعد لبذل جهد فكري.
لكن هذا النهج قد يحد من انتشار أفكاره خارج الأوساط الأكاديمية، رغم أن القضية التي يناقشها — حماية الطبيعة — تهم العالم بأسره.
بين التفسير والتبسيط
تكشف الكتب الثلاثة أن الاقتصاد يمكن أن يكون أداة قوية لفهم العالم، لكنه ليس دائماً العدسة المثالية.
ففي بعض الحالات يساعد التفكير الاقتصادي على كشف أنماط خفية في السلوك البشري أو السياسات العامة.
وفي حالات أخرى، قد يؤدي إلى تبسيط مفرط لظواهر معقدة لا يمكن اختزالها في معادلات.
ومع تزايد التحديات العالمية — من التغير المناخي إلى النزاعات الدولية — يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن استخدام أدوات الاقتصاد لفهم هذه المشكلات دون الوقوع في فخ التبسيط؟
ربما تكمن الإجابة في التوازن. فالاقتصاد يمنحنا لغة قوية لتحليل العالم، لكنه لا ينبغي أن يكون اللغة الوحيدة.
فبعض الظواهر، مثل الطبيعة أو السلوك البشري، تتجاوز حدود الأرقام والنماذج الرياضية.
وفي نهاية المطاف، قد يكون الدرس الأهم من هذه الكتب هو أن فهم العالم يتطلب أكثر من معادلة اقتصادية — إنه يحتاج أيضاً إلى تاريخ وثقافة وعلوم طبيعية، وإلى قدر من التواضع أمام تعقيد الواقع.
المصدر: “ذا نيويورك تايمز”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
