التخطي إلى المحتوى

المياه .. المحرك الخفي لإزالة الكربون

عندما يتحدث العالم عن مواجهة تغير المناخ، يتركز النقاش عادة حول أرقام ضخمة مثل الجيجاواط من الطاقة المتجددة أو الجيجاطن من الانبعاثات الكربونية التي يجب خفضها.

 

غير أن هناك مؤشراً ثالثاً لا يحظى بالاهتمام نفسه رغم أهميته الحاسمة في التحول المناخي، وهو كميات المياه المستخدمة في أنظمة الطاقة والاقتصاد الحديث.

 

تمثل المياه ما يمكن وصفه بـ العملة الخفية للتحول في قطاع الطاقة؛ فهي حاضرة في كل مرحلة تقريباً من مراحل إنتاج الطاقة واستخدامها، من توليد الكهرباء وتصنيع الألواح الشمسية والبطاريات، إلى تبريد مراكز البيانات وتشغيل المصانع.

 

وبعبارة أخرى، فإن كل كيلوواط من الطاقة يعتمد بدرجة ما على المياه.

 

 

وتشير التقديرات إلى أن التقنيات الموفرة للمياه يمكن أن توفر عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه سنوياً على مستوى العالم.

 

والأهم من ذلك أن هذا التوفير يؤدي أيضاً إلى خفض الطاقة المستخدمة في ضخ المياه وتسخينها ومعالجتها ونقلها، وبالتالي تقليل الانبعاثات الكربونية.

 

توفير المياه وتسريع إزالة الكربون

 

في ظل تصاعد أزمة ندرة المياه عالمياً – التي وصفتها جامعة الأمم المتحدة بأنها تقترب من مرحلة «الإفلاس المائي» – تصبح كل قطرة يتم توفيرها ذات قيمة استراتيجية.

 

فالمياه لا ترتبط بالاستدامة البيئية فحسب، بل تلعب دوراً مباشراً في تسريع إزالة الكربون.

 

غالباً ما يتم إغفال حقيقة أساسية، وهي أن أنظمة المياه هي في جوهرها أنظمة طاقة، وأن منظومة الطاقة بدورها تعتمد بشكل كبير على المياه.

 

فكل لتر من المياه يتم ضخه عبر الأنابيب يحتاج إلى طاقة للضخ أو المعالجة أو التسخين أو التبريد.

 

في المقابل، تعتمد عمليات توليد الطاقة وتصنيع المعدات الكهربائية والإلكترونية على المياه في مراحل مختلفة من دورة الإنتاج.

 

علاقة متشابكة

 

هذه العلاقة المتشابكة تعني أن توفير المياه يؤدي مباشرة إلى توفير الطاقة، وهو ما ينعكس في النهاية على خفض الانبعاثات الكربونية.

 

وتقع هذه العلاقة ضمن ما يعرف بـ ترابط الماء والطاقة والغذاء، وهو مفهوم يوضح الترابط العميق بين هذه القطاعات الثلاثة.

 

وقد حذر تقرير لمعهد وكلية الخبراء الاكتواريين من أن الاختلال في هذا الترابط قد يؤدي إلى انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة تصل إلى 50% بحلول نهاية القرن.

 

أزمات المياه قد تؤدي إلى إغلاق محطات الطاقة، بينما يمكن لانعدام أمن الطاقة أن يعطل إنتاج الغذاء.

 

كما أن الإفراط في استخدام المياه في الزراعة قد يؤدي إلى جفاف مناطق بأكملها، ما يبرز أهمية إدارة هذه الموارد بطريقة متكاملة.

 

الزراعة في قلب المعادلة

 

تعد الزراعة أكبر مستهلك للمياه في العالم، وقد اعتمدت لسنوات طويلة على أنظمة ري تقليدية تهدر كميات كبيرة من المياه بسبب التبخر والتسرب والجريان السطحي.

 

بيد أن التطور التكنولوجي بدأ يغير هذا الواقع. فأنظمة الري بالتنقيط وأجهزة استشعار رطوبة التربة والمضخات التي تعمل بالطاقة الشمسية تسمح للمزارعين باستخدام المياه بدقة أكبر، عبر توفير الكمية التي تحتاجها المحاصيل فقط وفي الوقت المناسب.

 

ولا يقتصر أثر هذه التقنيات على توفير المياه، بل يمتد إلى تقليل الطاقة اللازمة لضخها ونقلها.

 

كما أن أنظمة الزراعة الشمسية المشتركة، التي تعتمد على تركيب ألواح شمسية فوق الحقول الزراعية، توفر ظلاً يقلل تبخر المياه ويخفض احتياجات الري، وفي الوقت ذاته تولد كهرباء نظيفة.

 

 

تحولات في القطاع الصناعي

 

القطاع الصناعي بدوره يشهد تحولاً مهماً في إدارة المياه. فقد كانت المصانع ومحطات الطاقة من أكبر مستخدمي المياه، خصوصاً في عمليات التبريد.

 

وعندما تضرب موجات الجفاف، تصبح هذه المنشآت عرضة للتوقف، ما يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد.

 

غير أن تقنيات مثل أنظمة التبريد ذات الحلقة المغلقة وأبراج التبريد الهجينة وإعادة تدوير مياه الصرف الصناعي تسمح بإعادة استخدام المياه مرات متعددة.

 

ونتيجة لذلك تنخفض كميات المياه المسحوبة من المصادر الطبيعية، كما تتراجع المخاطر المرتبطة بنقص المياه.

 

كما تسهم هذه التقنيات في خفض الطاقة اللازمة للتبريد والمعالجة، وهو ما يؤدي بدوره إلى تقليل الانبعاثات الكربونية.

 

إلى جانب ذلك، أصبح التحول الرقمي عاملاً مهماً في تحسين كفاءة المصانع. فأنظمة التحليل الرقمي والبيانات تساعد الشركات على مراقبة استهلاك المياه والطاقة بدقة، ما يسمح بتحديد مصادر الهدر ومعالجتها بسرعة.

 

المدن أيضاً جزء من الحل

 

لا تقتصر العلاقة بين المياه والطاقة على الزراعة والصناعة، بل تمتد أيضاً إلى المدن.

 

وتشير التقديرات إلى أن معالجة المياه واستخدامها في المدن قد تستهلك ما يصل إلى 5.4% من إجمالي الكهرباء عالمياً.

 

وتؤدي التسربات في شبكات المياه والأجهزة المنزلية غير الكفؤة إلى هدر كميات كبيرة من المياه والطاقة يومياً.

 

غير أن التقنيات الحديثة بدأت تحدث تحولاً في هذا المجال.

 

تسهم العدادات الذكية وأنظمة الكشف الفوري عن التسربات والأجهزة المنزلية عالية الكفاءة في تقليل استهلاك المياه والطاقة في آن واحد.

 

فعندما تستخدم الأسر كميات أقل من المياه – خصوصاً المياه الساخنة – ينخفض الطلب على الطاقة اللازمة لتسخينها.

 

كما أن تقليل التسربات في شبكات المياه يعني تقليل الكهرباء المستخدمة في ضخ ومعالجة المياه المهدرة.

 

وعندما تتحقق هذه الوفورات على مستوى ملايين السكان، فإن تأثيرها يصبح كبيراً على المستوى الوطني والعالمي.

 

 

حلول قابلة للتوسع

 

تشير التجارب العالمية إلى أن بعض التقنيات الموفرة للمياه يمكن أن تحقق نتائج كبيرة.

 

ففي الزراعة يمكن لأنظمة الري الدقيقة أن تقلل استهلاك المياه بنسبة تصل من 70 إلى 80%، كما تخفض الطاقة اللازمة للضخ.

 

وفي زراعة الأرز مثلاً، يمكن لتقنية الترطيب والتجفيف المتناوب أن توفر ما بين 30 و40% من المياه والطاقة المستخدمة في الضخ، مع خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 70% عند دمجها مع ممارسات زراعية مستدامة.

 

أما في القطاع الصناعي، فتتيح أنظمة التبريد المغلقة وتقنيات إعادة تدوير المياه خفض استخدام المياه بنسبة قد تصل إلى 50%، إلى جانب تحسين كفاءة الطاقة.

 

وفي المدن، أثبتت العدادات الذكية وأنظمة كشف التسرب فاعليتها في تقليل الموارد اللازمة لمعالجة المياه وتوزيعها.

 

دور الذكاء الاصطناعي

 

إلى جانب هذه التقنيات، بدأ الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً متزايداً في إدارة المياه والطاقة.

 

فهذه الأنظمة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات لتحديد أفضل طرق استخدام الموارد.

 

ففي الزراعة يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ باحتياجات الري بدقة، بينما يساعد في المصانع على تحسين أنظمة التبريد وإعادة تدوير المياه.

 

كما يمكنه في المدن اكتشاف التسربات في شبكات المياه والتنبؤ بالطلب المستقبلي.

 

وتحول هذه الأنظمة ملايين البيانات إلى قرارات فورية تقلل الهدر وتخفض استهلاك الطاقة، ما يعزز كفاءة الموارد ويقوي قدرة الأنظمة الاقتصادية على مواجهة الأزمات.

 

 

الحاجة إلى نهج متكامل

 

رغم هذه الإمكانات الكبيرة، لا تزال سياسات إدارة المياه والطاقة تعمل غالباً بشكل منفصل.

 

فقد جرى التخطيط لهذين القطاعين تاريخياً في مؤسسات مختلفة وبآليات تمويل وتنظيم منفصلة، ما أدى إلى إخفاء الفرص المشتركة بينهما.

 

ولذلك أصبح من الضروري اعتماد نهج متكامل يعترف بأن المياه والطاقة مترابطتان بشكل لا يمكن فصله، خصوصاً في ظل التغير المناخي.

 

يمكن للحكومات دعم هذا النهج من خلال مواءمة السياسات التنظيمية وتشجيع التعاون بين الجهات المسؤولة عن المياه والطاقة، إضافة إلى تقديم حوافز للمشروعات التي تحقق خفضاً متزامناً في استهلاكهما.

 

كما يمكن للمستثمرين إدراج مفهوم الكفاءة المشتركة للمياه والطاقة ضمن معايير السندات الخضراء والقروض المرتبطة بالاستدامة.

 

مستقبل إزالة الكربون.. أزرق أيضاً

 

غالباً ما يوصف التحول في قطاع الطاقة بأنه سباق مع الزمن، لكنه في الواقع أيضاً سباق لتأمين الموارد المائية اللازمة لاستدامة هذه الأنظمة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل إزالة الكربون ليس أخضر فقط، بل أزرق أيضاً.

 

فالعالم لن يتمكن من تحقيق الحياد الكربوني ما لم ينجح في إدارة موارده المائية بشكل أكثر استدامة.

 

ومن خلال فهم الترابط العميق بين المياه والطاقة، واعتماد التقنيات التي تسمح باستخدامهما بكفاءة أكبر، يمكن بناء نظام اقتصادي أكثر مرونة واستدامة، يحقق في الوقت نفسه الأمن المائي والطاقة النظيفة.

 

المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

للمزيد من المقالات

اضغط هنا