التخطي إلى المحتوى

حين يكبر السلم التعليمي… ولا يتغير الصعود الفكري – أخبار السعودية

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

ليس من الصعب أن نُحصي سنوات التعليم في بلادنا: اثنتا عشرة سنة، موزعة بعناية قديمة بين ابتدائي ومتوسط وثانوي. لكن الصعب حقًا هو أن نُحصي كم من هذه السنوات يضيف قيمة حقيقية لمسار الطالب، وكم منها مجرد عبورٍ إجباري فوق درجات لم تُصمَّم لعالم اليوم.

لقد تجاوز هذا السلم التعليمي سبعة عقود تقريبًا، نشأ في سياق اجتماعي واقتصادي مختلف تمامًا؛ حين كانت الدولة في طور التأسيس، وسوق العمل محدود الخيارات، والجامعة هي المسار شبه الوحيد للترقي الاجتماعي. أما اليوم، فنحن في زمن تتعدد فيه المسارات، وتتسارع فيه المهارات، وتُقاس فيه القيمة بقدرتك على الإنجاز لا بعدد سنوات جلوسك على المقعد الدراسي.

سنوات التعليم في بلادنا، في حقيقتها ليست مسارًا متصاعدًا بقدر ما هي زمنٌ ممتدّ يتكرر فيه الكثير مما يُظن أنه يتقدم. فحين ننظر بدقة إلى هذه الأعوام، نكتشف أن جزءًا معتبرًا منها لا يضيف جديدًا نوعيًا بقدر ما يعيد تقديم المعرفة ذاتها، مرة بصيغة مبسطة، ومرة بإضافة جزئية، ومرة بتوسيع محدود، حتى يبدو وكأن الطالب يدور في دائرة تعليمية أكثر من كونه يصعد في سلم واضح المعالم.

هذه البنية الطويلة تجعل من التعليم رحلة استهلاك للوقت بقدر ما هي بناء للمعرفة، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يحتاج الطالب فعلاً إلى اثنتي عشرة سنة ليصل إلى لحظة تحديد مساره؟

إن واحدة من أبرز مظاهر هذا التكرار تكمن في توزيع المناهج على كامل السنوات الدراسية دون تمييز حقيقي لوظيفتها. فهناك معارف يكفي أن تُبنى في المرحلة التأسيسية وتُغرس بعمق، لأنها تمثل قاعدة للحياة لا تحتاج إلى إعادة استهلاك سنوية، وهناك مواد لا معنى لطرحها مبكرًا قبل نضج الطالب واستعداده، وكان الأولى أن تبدأ في مرحلة لاحقة بشكل مباشر وأكثر عمقًا، كما أن هناك مجالات لا تظهر ضرورتها إلا في المرحلة الأخيرة حين يبدأ الطالب في تشكيل توجهاته، فتأتي حينها متسعة، متخصصة، ومتصلة بحياته القادمة.

أما الإبقاء على كل شيء ممتدًا عبر جميع السنوات، فهو لا يخلق عمقًا بقدر ما يخلق مللًا، ولا يبني فهمًا بقدر ما يؤسس لاجترار معرفي طويل.

وفي قلب هذه المنظومة تقف مرحلة دراسية كاملة هي المرحلة المتوسطة والتي فقدت معناها، فهي بشكلها الحالي لا تُفضي إلى نتيجة واضحة، ولا تمنح الطالب هوية تعليمية حقيقية، ولا تُكسبه مهارة يُبنى عليها، إنما تبدو كمساحة زمنية معلّقة بين تأسيسٍ لم يكتمل وتخصصٍ لم يبدأ.!

ثلاث سنوات تُستهلك دون أثر يُعتد به، ودون شهادة لها وزن في سوق العمل أو في المسار الأكاديمي، وهذا يدعو إلى التفكير الجاد في إعادة ترتيب هذا السلم، لا عبر تحسينات شكلية، وذلك من خلال إعادة تصميمه بحيث تقوم كل مرحلة على وظيفة واضحة، وتُقاس بقيمتها لا بعدد سنواتها.

كذلك المرحلة الثانوية اليوم تُعامَل كمرحلة واحدة، بينما هي في الحقيقة تحمل وظيفتين متناقضتين: تهيئة للجامعة من جهة، وإعداد للحياة والعمل من جهة أخرى، والنتيجة أنها لا تُتقن الأولى ولا تُنجز الثانية. والحل ليس في تحسين المحتوى فقط، بل في إعادة تعريف الغاية منها.

إن تأخير لحظة الاختيار حتى نهاية هذه الرحلة الطويلة لا يبدو منطقيًا في عالم تتسارع فيه الفرص وتتعدد فيه المسارات، فليس من المعقول أن يقضي الطالب أكثر من عقد كامل قبل أن يُسأل بجدية عن مستقبله، ثم يُطلب منه فجأة أن يحسم مسارًا قد يلازمه لعقود. الأجدى أن يبدأ التوجيه مبكرًا، وأن تُتاح له مساحات للتجربة، وأن تتشكل اختياراته تدريجيًا، بحيث يصل إلى قراره وهو يمتلك وعيًا وخبرة، لا مجرد معلومات نظرية متراكمة.

ومن هنا يصبح من الضروري الانتقال من فكرة «السلم» الجامد إلى نموذج أكثر مرونة وواقعية، لا يهدم ما لدينا، بقدر ما يعيد توظيفه بذكاء. يمكن تصور مرحلة تأسيسية ممتدة تبدأ من رياض الأطفال وتمتد حتى نهاية الصف السادس، تُبنى فيها اللغة، والتفكير، والمهارات الأساسية بعمق، وتستثمر فيها مباني الابتدائي الحالية بعد تطوير بيئتها لتكون أكثر مرونة وحيوية، ويمكن أن تحمل اسمًا يعكس جوهرها مثل «مرحلة التأسيس والنماء» أو «مرحلة البذور»، حيث يُغرس فيها الأساس اللغوي والفكري والوجداني، ويكون التركيز على بناء الإنسان قبل تراكم المعلومات.

أما المرحلة الثانية، التي تحل محل المتوسطة، فيمكن أن تحمل اسمًا يعكس وظيفتها الحقيقية مثل «مرحلة الاستكشاف»، لأنها ليست للحشو المعرفي، هي لاكتشاف الذات وتجربة المسارات وبناء الوعي بالخيارات. وهي مرحلة أقصر، أكثر تركيزًا، يمكن تنفيذها في المباني الحالية مع تغيير جذري في وظيفتها.

أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة التخصص، حيث يُعاد تعريف الثانوية بالكامل، فلا تكون مرحلة عامة مترددة، لإنها مرحلة مسارات واضحة؛ مسار أكاديمي يُهيئ بعمق للجامعة، ومسار مهني/تطبيقي يمنح مهارات حقيقية وشهادات معتبرة مرتبطة بسوق العمل. ويمكن استثمار المباني القائمة مع تطوير جزئي لبعضها لتصبح بيئات تخصصية حقيقية، دون الحاجة إلى إعادة بناء شاملة.

ولسنا بالضرورة بحاجة إلى تقليص سنوات التعليم بقدر حاجتنا إلى إعادة توزيعها، فقد يظل السلم في صورته العامة اثنتي عشرة سنة، لكن بروح مختلفة، تقوم على ست سنوات تأسيس، وسنتين للاستكشاف والتوجيه، وأربع سنوات للتخصص الحقيقي، حيث لا تعود السنوات مجرد امتداد زمني، لتصبح مراحل ذات معنى. ومع ذلك، فإن جزءًا من هذه السنوات قابل للاختصار مستقبلًا دون أن نخسر جودة التعلم، بل ربما نكسب وضوحًا وفاعلية أكبر، لأن القضية لم تعد في كم ندرس، بل كيف ولماذا.

المهم في هذا التحول ألا تستمر كل المناهج عبر جميع الأعوام، وإنما تُقدَّم في توقيتها المناسب، ويُمنح كل عمر تعليمي ما يناسبه من معرفة ومهارة، فيتخلص النظام من التكرار، ويستعيد المعنى، ويصبح لكل مرحلة أثرها الحقيقي في تكوين الطالب.

لقد أدى هذا السلم التعليمي الحالي دوره في زمنه، حين كانت الخيارات محدودة، وكانت الجامعة هي المسار شبه الوحيد، لكن الإبقاء عليه بالشكل ذاته اليوم لا يعني الاستقرار بقدر ما يعني التأخر. إن التحدي الحقيقي ليس في أن نُبقي على ما اعتدنا عليه، ولكن في أن نمتلك الشجاعة لإعادة تشكيله بما يواكب تحولات المجتمع وسوق العمل، ويمنح أبناءنا فرصة الوصول في الوقت المناسب، لا بعد رحلة طويلة إلى وجهة لم تعد كما كانت.

للمزيد من المقالات

اضغط هنا